.jpg)
يكاد لا يمر يوم واحد من دون أن تنكشف الأبعاد الحقيقية للاستنفار العسكري والسياسي الذي أطلقه “الحزب”، والذي تجاوز في خطورته منطق المناورة التكتيكية ليتحول إلى إعادة تموضع استراتيجي “مريب”، يعزز الشكوك بأنه يمهد لتفجير الساحة الداخلية. وما يسهم في إثارة وابل من الأسئلة في هذا السياق، هو المعلومات والأخبار المتناقلة في الشارع وفي الصالونات السياسية، عن أن “الحزب” أجرى حركة مناقلات وتبديلات استثنائية وعاجلة لعناصره من جبهات القتال في الجنوب باتجاه مربّعه الأساس في الضاحية الجنوبية وبيروت الكبرى؛ وهي خطوة، إن صحة المعلومات المتداولة، لا يمكن، وفق العديد من المراقبين والخبراء العسكريين، إلا أن يؤخذ في الاعتبار عند قراءتها احتمال أن تكون بمثابة إجراءات احتياطية قصوى، واستعداداً ربما لسيناريوهات انقلابية يحضّر لها “الحزب” في الداخل لخلط الأوراق ومحاصرة اندفاعة الشرعية.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، فوفق بعض المعطيات الأمنية لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إن هذا الحشد الميداني في العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية، يتقاطع مع معلومات ميدانية “بالغة الخطورة” وافدة من الجنوب، تفيد بقيام “الحزب” بتوزيع مكثف للأسلحة الفردية والذخائر على خلايا ومناصرين في البلدات الجنوبية وبعض قرى قضاء جزين ومنطقة صيدا، تحت ذريعة واهية تروَّج بأنها لصد عمليات إنزال إسرائيلية محتملة.
المصادر الأمنية لا تنفي إمكانية أن يكون الهدف الحقيقي، هو تسليح جمهور “الحزب” في سياق تجهيز بروفة دامية لـ”7 أيار” جديدة، بهدف ترهيب اللبنانيين وكسر هيبة الشرعية والقضاء والجيش اللبناني بعد فضيحة ضبط “متفجرات الاغتيالات” في ضهر البيدر؛ لافتة إلى أن أي مراقب أو خبير أمني وعسكري، حين يرسم السيناريوهات المحتملة وفق هذه الوقائع والمعطيات، لا يمكنه أن ينفي بالكامل الاحتمال الذي أشرنا إليه.
من جهتها، ترى مصادر سياسية متابعة عبر موقع “القوات اللبنانية”، أن الأخطر في هذا السلوك التعبوي لـ”الحزب”، أنه يعكس في مكان ما تسليماً مسبقاً من قِبله بحتمية الاجتياح الإسرائيلي الشامل للمناطق الجنوبية، وإدراكه بأن الجيش الإسرائيلي لن يقف عند أي خطوط حمراء هذه المرة، وسيتمدد عسكرياً إلى ما بعد النبطية وصولاً إلى جبل الريحان وجزين وربما إلى عمق العاصمة بيروت، وذلك تنفيذاً للعقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة بعد عملية ” 7 أكتوبر”، لافتة إلى التهديدات الصارمة لبنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بتهجير الملايين والتوسع البري إذا أطلق “الحزب” أي حرب إسناد جديدة لطهران.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة لموقع “القوات اللبنانية”، أن الرسائل الدبلوماسية التي تتلقاها بيروت منذ أيام “بلغت ذروة التشدد والتحذير”، حيث أبلغت الوفود الدولية والإقليمية كافة التي تقاطرت إلى بيروت ـ بما فيها الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، فضلاً عن تحذيرات السفير الأميركي ميشال عيسى ـ المسؤولين اللبنانيين بخطورة الموقف، وبأن التوتر الإقليمي في ذروته.
وتشير المصادر الدبلوماسية، إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو “ثابتة” لخوض مواجهة جديدة ضد إيران، وأن احتمالات الحرب الثالثة مع طهران تتقدم. من هنا أتت النصائح والتحذيرات الدولية والعربية للمسؤولين اللبنانيين كافة، بأن أي مغامرة يقوم بها “الحزب” لإسناد إيران مجدداً وتوريط لبنان، تعني “انتحاراً كاملاً”، لأن “الجرة لن تسلم هذه المرة”.
وفي ظل هذه المؤشرات المرعبة ووسط المعلومات المتسربة عن إبلاغ طهران لأذرعها بالاستعداد لاندلاع حرب جديدة، تشدد المصادر الدبلوماسية على أنه بات حتمياً على الدولة اللبنانية أن تخرج من “قمقم الانتظار السلبي”، وتنتقل فوراً إلى مربع “الحسم الوقائي”. فالواجب المصيري الذي يمليه الأمن القومي يفرض على السلطة الشرعية ألا تكتفي بنفض الغبار عن قراراتها السابقة، بل أن تذهب نحو تأكيد سيادتها وتعزيز أجهزتها القضائية والأمنية وتوفير الغطاء والدعم الشامل لها، لحظر الأنشطة الميليشياوية الخارجة عن القانون كافة ومصادرة السلاح غير الشرعي فوراً.
وتؤكد المصادر نفسها، أن المجتمع الدولي والعربي أبدى مراراً وتكراراً استعداده لدعم الدولة اللبنانية لاستعادة سيادتها وقرارها، لكن المسؤولية الأولى والأخيرة تبقى على عاتقها؛ مشددة على أن إنقاذ لبنان من واقعه المأزوم وانتشاله من وضعية الساحة المحروقة لتبادل الرسائل الإقليمية، يتطلب من الدولة حزماً تاريخياً يمنع “الحزب” من اتخاذ اللبنانيين كرهائن ودروع بشرية لحماية مشروعه الإيراني المتهاوي، وفرض سلطة الدولة والقانون كخيار وحيد وأخير لحماية الكيان ومنع سقوط السلم الأهلي وتفادي الارتطام الكبير.
