
وضعت جولات التفاوض “المكتومة” بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في أروقة القيادة المركزية الأميركية في تامبا ـ فلوريدا، الدولة اللبنانية أمام التحدي المركزي والأكثر خطورة: هل تمتلك الشرعية القدرة لتحويل الشعارات والمواقف حول “السيادة” إلى إجراءات ميدانية صلبة وقابلة للتنفيذ تُقيّد وتُنهي القوة المسلّحة لـ”الحزب الإيراني في لبنان” الخارج عن القانون؟ وهل الدولة مصممة فعلاً وحسمت قرارها على هذا الصعيد وستتحمل مسؤولياتها وواجباتها تجاه الشعب اللبناني، الداعم لها والذي سئم الحروب والويلات والكوارث والسلاح الميليشياوي المتفلت، أياً يكن الأمر؟
هذا السؤال الوجودي فرضه انطلاق أعمال اللجنة التقنية المشتركة في “تامبا”، بمشاركة ممثلين مدنيين وعسكريين رفيعي المستوى من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، للدفع قدماً بصيغة اتفاق الإطار المبرم في حزيران الماضي. وبحسب مصادر دبلوماسية من واشنطن لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، مخطئ من يظن أن هذا الاتفاق الإطاري مجرد حبر على ورق، بل بات يُلزم بيروت رسمياً باتّباع مسار صارم وقائم على “النتائج الملموسة”، يهدف بلا مواربة إلى بسط سيطرة الدولة الأمنية على كامل التراب الوطني ونزع سلاح المجموعات والميليشيات الخارجة عن الشرعية كافة.
وفي وقت اتّسمت فيه المداولات في تامبا بطابع تقني بحت تركّز على آليات منع الاشتباك المباشر والتحقّق الصارم من تنفيذ الالتزامات، حاولت الماكينة الدبلوماسية عبر السفارة الأميركية في بيروت تخفيف سقف التوقعات بـ”تسريب مدروس”، يصف اللقاء بأنه “مجرد اجتماع لفرق العمل يركز على البعد الأمني للإطار الثلاثي”.
لكن خلف كواليس هذا الحذر الدبلوماسي، تشير المعلومات المستقاة لموقع “القوات اللبنانية”، إلى أن اليوم الأول، أمس الثلاثاء، شهد تشريحاً عسكرياً وتقييماً لما جرى تنفيذه ميدانياً من اتفاق الإطار منذ الاجتماعات الأخيرة، مع مراجعة التدابير المتخذة في “المنطقة التجريبية الأولى”، على أن تركز نقاشات اليوم الأربعاء على بحث التوصل إلى تفاصيل إجرائية ملزمة لفرض التطبيق على الأرض.
وفي سياق متصل، ترى مصادر سياسية متابعة عبر موقع “القوات اللبنانية”، أن هذا الضغط التقني المتقاطع مع قرار بعبدا الأمني الأخير وتوجيه رئيس الجمهورية لقادة الأجهزة الأمنية كافة بمنع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر والمتفجرات، يضع طهران وأدواتها المحلية، وتحديداً “الحزب”، أمام حقيقة داهمة ألغت الهوامش الرمادية؛ فالتراخي أو التراجع اليوم تحت وطأة تهديدات “الحزب” أو غزوات الشارع يعني السقوط الرسمي للدولة، بينما يُمثّل الحسم الوقائي وتفكيك البنى الميليشياوية الممر الإجباري والوحيد لإنقاذ السلم الأهلي، ليمضي لبنان كدولة كاملة الأهلية والمواصفات السيادية في المجتمع الدولي، لا مجرد ساحة محروقة لتبادل الرسائل الإقليمية.