
يبقى مبررًا قلق وريبة وتوجس قاطني مناطق الجديدة وسد البوشرية والفنار وبقية المناطق البعيدة عن خط التماس مع العدو الإسرائيلي والتي لا يمكن أن تعد من الحافة الأمامية للحدود الإسرائيلية اللبنانية، ويبقى الجواب للقاطنين والمعنيين “لأن الحليب كاويني” على سؤال سيئي وحسني النية “لماذا تنفخ على اللبن”… بانتظار الجواب والتفسير الحقيقي والإجراءات الضرورية، وبانتظار أن يبان الخيط الأبيض من الخيط الأسود في شأن “الحفرة الحديثة ـ النبش” التي عثر عليها في الفنار على تماس “مربع الحزب في الزعيترية”، بصدفة تُذكّر بصدفتي شاحنتي الكحالة وضهر البيدر، وبانتظار الجواب العلمي غير الخيالي، من مثل “قصص “الكنز المفقود” أو “منجم الذهب المرصود” أو على ما اجترحته قريحة “الملفلفين” عن أن الحفرة كناية عن مخبأ للعبة الـcache – cache، يختبيء فيها الخارجون عن القانون مع ممنوعاتهم والتي يصدف أن تكون الزعيترية وحماتها من ملاذاتهم…
مع النفي المتوقع لـ”الحزب” انطلاقًا من عدم فائدة النفق في منطقة الفنار، لا بدّ أن نعود مع “الحزب” و”الملفلفين” إذا وجدوا، الى جدوى الأنفاق التي حُفِرت وشُيدت للمقاتلين من دون بقية المواطنين القاطنين في قرى ومدن الحافة الأمامية وتحت منازلهم ومتاجرهم ومحلاتهم ومساجدهم والتي فتحت طريق القدس المحتلة، وبشّرت باحتلال الجليل… وهنا لا بدّ أن نتوقف على استناد نصرالله الى تلك الأنفاق لتحرير الجليل قبل أن يكون الضحية الأكبر، وليست الأولى لكذبة جدوى الأنفاق في الحماية والتحرير، إذ يقول في 16 شباط من العام 2011: “كونوا مستعدين ليومٍ إذا فُرضت فيه الحرب على لبنان قد تطلب منكم قيادة المقاومة السيطرة على الجليل، يعني بتعبير آخر تحرير الجليل”… وفي 6 نيسان من العام 2015: “موضوع احتلال الجليل واحتلال الجليل بمقدور المقاومة القيام به”… وفي 26 كانون الثاني من العام 2019: “جزء من خطتنا في الحرب المقبلة هو الدخول الى الجليل وقادرون على ذلك”، ليحسم هذه القدرة في 12 تموز من العام 2019 بقوله: “الأعمار بيد الله وبحسب المنطق والزمن، أنا من اللذين يملكون أملًا كبيرًا في أن يصلوا القدس. أي حرب جديدة ستكون أكبر بكثير من حرب تموز العام 2006 وهذه الحرب ستضعهم على حافة الزوال ـ في موضوع الجليل، إخواننا أصبحوا محترفين ولديهم أكثر من سيناريو ودخول الجليل جزء من خطة الحرب”.
لسنا بحاجة الى التأكيد على حرارة “كي الحليب” لبيئة “الحزب” وخصوصًا في قرى ومدن الحافة الأمامية قبل البيئات المعارضة التي تنفخ على “لبن” الخرق والتسلل والتمويه، لتلطي مقاتلي “الحزب” ومسؤوليه ومسؤولي الحرس الثوري الإيراني واختبائهم في المناطق والفنادق والمنتجعات والتجمعات البعيدة عن الجبهات المفترضة لقتال الأعداء في بيروت، في شقيها الشرقي والغربي، مع ضواحيها المسيحية والسنية والدرزية وجبل لبنان والبقاع الشرقي والغربي والأوسط والشمالي وشمال لبنان السني المسيحي الماروني والأورثوذكسي، وخريطة الاستهدافات التي استجرها الخارقون شاهدة على ما نقول وبيّنة على من ينفي من “الحزب” ومن الملفلفين على السواء…
نتوقف عند نموذج واحد من نماذج كثيرة عن الحليب الساخن الذي كويت فيه بيئة “الحزب” قبل غيرها جراء الملاجىء والأنفاق المخصصة للمقاتلين لا المدنيين، فالكل يتذكر تاريخ 20 أيلول من العام 2024 والضربة التي أصابت ملجأً تحت بناء مدني في منطقة الجاموس في ضاحية بيروت الجنوبية على بعد 100 كيلومتر من الحافة الأمامية ومن التماس مع العدو الإسرائيلي، حيث قتل فيها قيادة قوة الرضوان على رأسهم ابراهيم عقيل، ليسقط معه ومع قيادته، المبنى بمن فيه من المدنيين الأبرياء رجالًا ونساء شيوخًا وأطفالًا.
وطبعًا لا داعي للفت نظر من يعنيه الأمر الى ما آلت اليه عشرات قرى ومدن الحافة الأمامية التي بنيت على الأنفاق منذ العام 2006 والتي أهرقت حياة آلاف المدنيين الجنوبيين في منازلهم المشيدة فوق مخازن الأسلحة والصواريخ والأنفاق، على ما كشف من سرّ علي برو، صغير من صغار “الحزب” حين قال: “نحنا منّيِم ولادنا تحت صواريخنا، نحنا منعمر بيوتنا مش لنسكن فيها لنعملها مخازن ومنشآت، بتتهدم ومنرجع منعمرها لنعملها مخازن ومنشآت”.
كان الأحرى بـ”الحزب” ومشغليه أن يفكروا بناسهم وبيئتهم المكوية من نفاقهم وأنفاقهم وإنفاقهم عليها وأن يبتعدوا عن البيئات والمجتمعات المعارضة لثقافة الموت والاندحار والانتحار وأن يتعلموا الدرس بعد فوات الأوان من الحكومة البريطانية التي منحت في 21 أيلول من العام 1940، إذنًا رسميًا لاستخدام مترو أنفاق لندن كملاجيء للمدنيين، بعد أن ثبت أن الانفاق لم تحرر جليلًا وتعثر حفارها على طريق القدس، لينحرف “الحزب” الى الداخل بالاثباتات والتهديدات ومحتوى الشاحنات وجغرافية الحفرات، على غرار انحراف الكفاح المسلح الفلسطيني الى طريق آخر تمرّ من جونية وعيون السيمان، وصولًا الى لبنان وطنًا بديلًا عن فلسطين.
وكنتيجة ومحصلة، يقرّ أمين عام “الحزب” الحالي في 11 تشرين الثاني من العام 2025، بعد سقوط أميني “الحزب” نصرالله وصفي الدين ضحيتين في داخل الأنفاق والملاجيء، مؤكدًا أنه “مستحيل الوصول الى الجليل: “كل أمن المستوطنات كان موجودًا بشكل عادي وطبيعي، ولا تستطيع إسرائيل أن تدّعي بأن أمنها معرض للخطر… لا توجد مشكلة على أمن المستوطنات… حجة إسرائيل بالأمن المستقبلي، وهي الآن حققت أمنها وتعتدي، وواضح أن القدرات الموجودة عندها تحفظها لفترات طويلة من الزمن”.
.jpg)