
يطرح كتاب “الولايات المتحدة اللبنانية المحايدة – إشكاليات وحلول” للدكتور ميشال الشمّاعي مقاربة فكرية وسياسية لأزمة لبنان، تتجاوز الإصلاحات الإدارية والحكومية إلى البحث في فلسفة الدولة وطبيعة العلاقة بين مكوّناتها. وينطلق من سؤال جوهري: هل تستطيع الصيغة السياسية القائمة ضمان استمرار لبنان، أم باتت التحوّلات الداخلية والإقليمية تفرض إعادة النظر في نظامه السياسي؟
يتناول الكتاب المؤف من مئتي صفحة مفهوم الحياد، انطلاقًا من الطروحات التي شهدتها البطريركية المارونية، ولا سيّما “مذكرة لبنان والحياد الناشط”، معتبرًا أنّ الحياد لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل يرتبط بحماية السيادة والكيان اللبناني. ومن هنا ينتقل إلى مفهوم “الكيانية اللبنانية”، الذي يهدف إلى الانتقال من الدفاع عن حق لبنان في الوجود إلى البحث في شروط وجوده الحرّ والمستقرّ.
كما يناقش الكتاب دور البروباغندا السياسية والإعلامية في تشكيل الوعي العام، وتأثير الخطاب السياسي في مفاهيم الوطن والدولة والمقاومة والحرية. ويتوقف عند انتفاضات المجتمع اللبناني، ولا سيّما حراك 17 تشرين، متسائلًا عن أسباب عجزها عن إحداث تغيير بنيوي، وعن الشروط التي تسمح بتحويل الاحتجاج الشعبي إلى مشروع لإعادة بناء النظام.
تتمحور الفكرة الأساسية حول اقتراح “الصيغة الحيادية” و”الولايات المتحدة اللبنانية”، بوصفهما محاولة لإعادة تنظيم الدولة على أساس اللامركزية الموسّعة أو النظام الاتحادي بصيغته الفدراليّة القائمة على التقسيمات الاثنو – جغرافيّة، مع تطوير النظام الانتخابي والتمثيل السياسي وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات المركزية والمجالس المحلية. والهدف، وفق رؤية المؤلف، ليس تقسيم لبنان أو إلغاء وحدته، بل حماية تعدّديته، ومنع احتكار القرار، وتحويل التنوع من مصدر للصراع إلى أساس للشراكة والاستقرار، وذلك إيمانًا منه لأنّنا نعيش في نظام ولايات غير متّحدة، فهو يهدف إلى تحويلها إلى ولايات متّحدة في إطار الـ10452كم2.
يحذّر الكتاب الصادر عن دار “الف ياء للنشر” في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، من أنّ رفض البحث في الصيغ الاتحادية أو الكونفدرالية، من دون تقديم بدائل قابلة للحياة، قد يدفع لبنان مستقبلًا إلى مواجهة خيارات أكثر جذرية وكلفة. فالتجربة التاريخية تُظهر أنّ تأجيل معالجة أسباب الانقسام لا يلغيها، بل قد يترك للوقائع والصراعات فرض حلولها. لذلك يدعو إلى الإصلاح قبل الانهيار، وإلى بناء عقد سياسي جديد بإرادة اللبنانيين، بدل الوصول إلى تسويات متأخرة تحت ضغط الأزمات.
في أبواب الكتاب التسعة، ينتقل الكتاب من مفاهيم الدولة والحياد والهوية والوجود، إلى البروباغندا السياسية والثورة والتغيير، ثم إلى النظام الانتخابي والاتحاد، وصولًا إلى تصوّر “لبنان الجديد” و”لبنان القضية”.
وبذلك، لا يكتفي الكتاب بتشخيص الأزمة اللبنانية، بل يفتح نقاشًا تأسيسيًا حول مستقبل الدولة: هل يكفي إصلاح الصيغة القائمة، أم بات المطلوب إعادة التفكير في فلسفتها السياسية؟ هذه الفلسفة التي وضعها في مؤلّفه السابق تحت عنوان “الكيانيّة اللبنانيّة” والتي يعتبرها الشمّاعي رأس “الدلتا الوجوديّة” للوطن اللبناني. فيما تكون الزاوية اليُمنى للصيغة الحياديّة التوافقيّة، والزاوية اليسرى للنظام السياسي الفدرالي.
ويخلص إلى أنّ الحفاظ على لبنان لا يتحقق بمجرد الإبقاء على حدوده ومؤسساته، بل ببناء دولة تحمي الحرية والسيادة والتعددية، وتضمن لكل مكوّن أن يمارس حريته داخل الوطن، ضمن وحدة تقوم على الاقتناع والشراكة والتوافق، لا على الغلبة أو الخوف.
لمن يرغب بالحصول على الكتاب، التواصل مباشرة مع الكاتب، عبر الصفحة الرسمية لشماعي.
