
فجر ذلك اليوم اليوسفيّ البقاعكفري من العام 1851، حلَّت يد ملاك الرب على باب بيت فقيد عائلته أنطون زعرور مخلوف، وأصابع ساعي البريد السماوي تقرع ذاك الباب المصقول صقلاً قرويًا أشبه بنورج بيادر دِراسة سنابل القمح. البيت المشقوع بالدَّبش والطِّين والمسقوف بأعضاد الشَّجر وتراب “الحوَّارة” البيضاء اللزجة كان النَّسيب الأقرب لمنتجعٍ كوخيّ كهفيّ تمخَّضت فيه تلك الحبلى بإلاهنا معنا. يوسف العائلة الزَّعروريَّة المخلوفيَّة كان الوحيد الذي سمع صوت دقَّة ملاكه الحارس الآتي إليه ببطاقة دعوة حميمة ونهائية تنوب عن صوتٍ يجفِّف بقايا بقع الشَّاوليّة فينا ببرقٍ ورعدٍ وصيغة اللا النَّافية: ” شاول شاول لا يمكنك أن ترفس المهماز”!
الوالدة بريجيتا والأبناء حنّا وبشارة وكون ووردة يفترشون راحة بال القرويين الواضعين كامل أمورهم وشؤونهم بإشراف مَن ليس مثله يطمئن: “لا تهتموا للغد، فالغد يهتم بأمره. الغفا العميق يحتضن عيون النّيام إلاَ عين “يوسف المغارة” وقد أوشك أن يهجر الدار وسائر ديار بقاعكفراه في خلَس النور الخاص بتنظيف العتمة عن الطريق المؤديَّة إلى السجود الدائم بحضرة قربان الطَّائعين، الأعفَّاء، والفقرا، هؤلاء الذين امتلكوا عقلاً طائعًا للروح القدس، وجسدًا يستيقظ على ذات الحلم الذي أيقظ يوسف البار من نومه، وهؤلاء الذين استندوا كليًا على فقره المدقِع هذا الذي ليس له حجر يسند رأسه!!
الوادي تنادي الوادي
عينان يوسفيَّتان موهوبتان بقياس المسافات اللامحدودة تقيسان بدقَّة وحرفيَّة مسافة اجتازها سميُّه وشفيعه خطِّيب مريم كانت أولاً من ناصرة الجَّليل إلى حيث تلد العذراء، ومشاها ثانيَّة مهجَّرًا ينقذ الصبيَّ من مجزرة الرّضع والأطفال كي تتمَّ النبؤة: ” من مصر دعوت ابني “. وهل هناك مثيلٌ للنجار ابن يعقوب في رصده مسافة الصَّمت والسَّكينة والوداعة!
على رؤوس أصابعه اجتاز يوسف أنطون مخلوف عتبة بيت أبيه، وعيناه تمسحان وجه أمه ووجوه أخوته ونومهم، يغافلهم عن ما يخطِّط له أخوهم الأصغر الذي ومنذ وعيه الدنيا قد سكنته نسكيات خاليه الأبوين الحبيسين أوغسطين ودانيال الشديق البشراويين وهم من أقطاب الاستحباس في منائر محبسة مار بولا غبتا عند كتف تلال كروم وادي قزحيا. إن كان من مصر سبق ودعا ابنه، فإنَّ قدوس الآباء ومن أعلى قرى لبنان قد نادى على يوسفه، ومن غير النَّاظر في الخفايا وما في عمق العمق هو الأحق بتصوير هذه البانورما بأدق تفاصيلها الإنجيلية حين تستيقظ الأم بريجيتا، ويستيقظ الأخوة حنا وبشارة وكون ووردة على إنذار طالما قرأوه في الإنجيل وسمعوه: “قد جئت أفرِّق الابن عن أمه، والأخ عن أخوتِه وأعداء الإنسان أهل بيته”، وهل ثمة فرق بين العداوة وعاطفةٍ جياشةٍ لكنّها صماء عن سماع مزمور تحبس معانيه أنفاس الابن الأصغر وهو في كامل انخطافه وانجذابه إلى ذاك الترنيم الساروفيميِّ الآسر: “تشتاق نفسي وتتوق إلى ديار الرب ويرنم قلبي وجسمي”. يوسف النّاصرة ومريمها قد سبقا الوالدة البقاعكفرية في عصف القلق على ضياع الابن الغالي… يسوع الفتى وُجِد وهو يعمل لأبيه، ويوسف بن أنطون وبريجيتا سيوجَد حيث يعمل طوال حياته لصالح يسوع!
وادي قنوبين ينادي وادي قزحيا ليرافقا معًا الفتى البقاعكفري إلى وادي إيليج حاملاً رسالة توصيَّة أرسلتها سيدة بقاعكفرا إلى سيدة ميفوق وفحواها مستوحى من تساؤل الناس عن يوحنا بن زكريا الكاهن وأليصابات الشيخة: “ما عساه أن يكون هذا الصبيّ ويد الرب معه “.. وما عساه يكون هذا اليوسف وعين الثالوث الأقدس عليه!!
لن تأتي على يده الشكوك
لا كتابةٌ، لا تأليف، لا سيناريو، ولا أخراج بإمكانهم مجتمعين الدنوَّ من سرٍّ يكاد يتسمَّى على أسرار الكنيسة المجاهدة على الأرض، والسِّيرة الرهبانية عامةً والشربليَّة خاصة مِن دعائم هذا الجهاد وركائزه. هوذا المبتدئ الأخ شربل يغادر ديره الميفوقي من دون علم أحد من جمهور الدير حتَّى رئيسه ومعلِّم أبتدائه، متواريًا وسط عتمة الليل، مجازفًا بمصير سنة ابتدائه الأولى، لكنَّه لم يغادر الدير الذي استقبله وألبسه “شالة” الابتداء إلاَّ مستندًا على آية إنذار المعلم الرب: “كل مَن شكَّكته عينه فليقلعها ويرمها عنه”… سيحصِّن جسده تحصين هيكل للروح القدس، وسيغلق نوافذ حواسه إغلاقًا حازمًا صارمًا كفَّارة عن مأساة آدم وحواء وشجرة معرفة الخير والشر. الأخ شربل الهارب ليلاً طالبًا اللجوء إلى دير مار مارون عنايا حمايةً لثاني نذوره الرهبانية، مقتديًا بيوسف الصدِّيق شفيع الممتنعين عن التشهير بالأعراض وذبح السُّمعة، فلَم يبوح بكلمة أو همسة وحتى بإشارة عن المصدر الذي قد يكون قد امتحنه بتفاح بستان جنَّة عدن الموطن الأول للخطيئة الأصلية!!
دمعها المفتوح وشباكه المغلق
معتصمًا خلف شبَّاك قلايته ومحتجبًا، ترتعش فيه أحاسيس البنوَّة بينما تنهيدها وشهيقها يضعانه في أدقِّ المواقف إحراجًا وأغرب القرارات نذورًا، وهو المتأكِّد بأنَّها مشت من بلاد الجبَّة الجردية أكثر من المسافة التي مشاها صبيحة رحيله الأبدي عن بيت طفولته، ومغارة عذرائه، ومراعي “العربيط”. بينها وبينه نافذة ديرية لا تنفتح ولا تستجيب كأنَّهما في مساحةٍ من مساحات ضمير أموميٍّ رهباني مشترك صعب أن يتَّسع لوالدة تتسوَّل من ضناها نظرة وتشحد لعينيها إطلالةً، لكنَّ ثمرة بطنها يعاند مشاعره البنوية معتصمًا بنذره الفولاذي رافضًا أن يعطي تلك التي ولدته أيَّ موعدٍ إلاَّ عند أبواب السماوات… بريجيتا تغادر أرض عنايا وهي تهز سرير يوسفها في قلبها وعينيها ومذبح الكنيسة يبكي، بينما الأخ شربل تأخذه الرؤيا إلى نواحي قانا الجليل كي يتمعَّن بحوار دار بين أم يسوع وابن الأنسان يوم فرغت الخمرة الجيدة عن موائد العرس الكبير، فبلغت المسامع الشربلية تلك الإجابة الجافة الأقرب إلى القساوة: “ما لي ولك يا امرأة، إنَّ ساعتي لم تأتِ بعد”.
جواب شربل لأمه أتى ملطَّفًا عن قساوة الجواب الذي تلقَّته أمّ المعلم الرب برحابة صدر ملأت الأجاجين السَّبعة بسبعة أسرار أفراح ملأت كؤوس المدعوين! دموعك يا أم حنا المخلوفية المحفوظة حتى يوم القيامة في جرن ماء كنيسة مار مارون، وأجرار مياه محبسة مار بطرس وبولس، هي بالذات مَن أقامة التوازن العجائبي بين أعجوبة تحويل الماء خمرًا، وأعجوبة تحويل الماء زيتًا، وعيناكِ الباكيتان والباقيتان على شباك ذلك اللقاء الأشبه بمساء الصّلب هما اللتان أوقدتا النور في سراج ابنك، نور إستحصل له الإذن بدخوله المحبسة!!
بطل الفيلم.. غريب الشاشة والصَّالة
9 تشرين الأول من العام 2026 وتسعة وأوربعون سنة ترهَّبت في صومعة التَّذكار، تذكار إعلان القداسة الشربليَّة الأحد 9 تشرين الأول 1977. ولكنَّ ذلك اليوم الذي ارتقى فيه إلى مراتب القديسين لم يكن خاتمةً لحكاية ” قديس المغارة”!!
إعلاناتٌ دعائيَّة مكثَّفة، مهَّدت لتلك السَّهرة السينمائية في منطقة النقَّاش ليلة التّاسع من تشرين الأول 2026، ومظاهرة كاميرات وميكروفونات تداعت للاحتشاد في باحة الستيديو العملاق black box المستحدث لاحتفاليَّاتٍ بمستوى ألف ليلةٍ وليلة.
عدسات التصوير الحاذقة تصوِّب على طرائدها، وكل لقطة هي طريدة تمَّ اصطيادها من وجه، أو حركة، أو تصريح، وأكثر الطَّرائد الإعلامية طلبًا، هي تلك اللقطات الفاقعة. الاستوديو النقَّاشي الفاخر الباهر المتحوٍّل لأمسيَّة واحدة إلى صالة سينما تستوعب تشكيلاً متنوِّعًا من المقامات: مقاماتٌ رئاسيّة، مقامات سياسيَّة، مقامات صحافيَّة إعلاميَّة، مقامات جامعية أكاديمية تربويَّة ثقافية علميَّة أدبية، ومقامات اجتماعيَّة أشبه بميدليَّاتٍ ذهبيَّة، مكانها صدارة الواجهات… ومقاماتٌ نسيبةٌ في الميرون الكهنوتي والأسكيم الرهباني من هذا المحتَفى بشهرة قداسته المسكونيَّة، احتفاءً سينمائيًا!
الشريط السينمائي يدور دورانًا يستعيد أزمنة بعيدة، والشَّاشة تتكلَّم بما يلقَّنها أياه السيناريو ويوافق عليه الأخراج. الصورة والصوت يسردان الحكاية تشويقًا وتسويقًا. حكاية معظمها أشواك عائلية جارحة، ابتدأت بيُتمٍ مبكرٍ خدَّش قلب مولود 8 نوار 1828 واستمر الشوك يتمدد إلى معيشة العائلة المخلوفية منغرزًا في خبزها ومونتها، إلى أن انتهت الحكاية رهبانيًا نسكيًا ختمها الفالج ليلة الميلاد 28 كانون الأول 1898 عرض فيلم شربل ينتهي، ومعظم حضوره مثَّلوا أدوارهم بإتقان، منهم مَن مثَّل متصوِّرًا، ومنهم مَن مثَّل مصرِّحًا ومستَصرَحًا، ومنهم مَن مثَّل لاهوتيًا دور توما الأكويني.. والكاميرات والميكروفونات تقفز يمينًا وشمالاً!
بينما بَكرة الشريط السينمائي تغزِل على ما يريده المشاهدون، فقد التمع بريقٌ عجائبيّ مستتر عن عيون جمهور الفيلم كالبريق الذي غمر وجه الحبيس المسجَّى في صحن كنيسة الدير ليلة ذلك الميلاد. انقطع البثَّ المباشر بين احتفالية محطة النقاش، وبين السِّيرة الشربليَّة بكلماتها الأصدق، ومضمونها المتماسك، ونسختها الأصليّة غير المنقَّحة، وغير المدولرة إنتاجًا وتصديرًا . أنقطع البثُّ المباشر بيننا وبين عجزنا عن اللحاق وإدراك يوسف أنطون زعرور مخلوف وهو يجتاز المسافة القدسيّة بين مراعي الجرد البقاعكفري وبين مذابح الكنائس المبنية على اسمه الشربلي شرقًا وغربًا، لقد اجتازها بأكملها اجتيازًا أرضيًا وسماويًا وهو يعتلي دابة أبيه أنطون أعتق مكارية قرى جرد أقدس الأودية وشهيد القمح اللبناني المخبوز قربانًا شربليًا ونشيدًا لشيلة الكأس ورفعِ القربان: “يا أبا الحق هوذا أبنكَ ذبيحةً ترضيك”!!!
