
تتجه الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة نحو نقطة اللاعودة التي ترخي بظلالها الداكنة على لبنان؛ الذي يعيش هاجس زجّه في حرب إسناد جديدة واسعة على يد “الحزب”؛ إذ تتقاطع المعلومات الدبلوماسية والأمنية لترسم مشهداً “باليستيّاً” شديد الخطورة تترقبه عواصم القرار الدولي بكثير من حبس الأنفاس. وتكشف مصادر دبلوماسية غربية في هذا السياق، أن الحراك العسكري والأمني الحاصل خلف كواليس القيادة المركزية الأميركية، تجاوز مرحلة الخطط النظرية ليدخل في ربع الساعة الأخير لتحديد ساعة الصفر لضربة استراتيجية كبرى تستهدف رأس الهرم الإيراني في طهران، وسط حسابات أميركية وإسرائيلية بالغة التعقيد والسرية تدور حول توقيت هذه المواجهة وربطها بالاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية، غداً الثلاثاء، والنصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني المقبل.
وتشير المصادر ذاتها، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن السيناريو المحتمل يتأرجح بين اندلاع شرارة الحرب كعامل مفاجأة لخلط الأوراق قبل فتح صناديق الاقتراع في تل أبيب وواشنطن، أو تأجيلها كخطوة تالية لضمان تفويض سياسي طويل الأمد لتفكيك محور الممانعة برمتّه، في وقت بدأت فيه واشنطن بسحب عائلات دبلوماسييها وموظفيها غير الأساسيين من عواصم عدة بالمنطقة بالتزامن مع تحذير الأميركيين من السفر إلى هذه البلدان، وبينها لبنان، في مؤشر ميداني صريح على قرب الانفجار، ومقابل استنفار إيراني موازٍ هدد باستهداف شامل للمصالح الحيوية والقواعد الأميركية كافة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى البنى التحتية في دول المنطقة.
هذا الغليان الإقليمي غير المسبوق، يرتد مباشرة على الساحة اللبنانية التي باتت تقف بوضوح أمام خطر الانزلاق نحو حرب إسناد ثالثة، وفق مصادر سياسية متابعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إذ تؤكد المعطيات والأجواء العسكرية أنها ستكون الأشرس والأكثر تدميراً على الإطلاق مقارنة بما جرى سابقاً، نتيجة استتباع “الحزب” بالكامل لـ”الحرس الثوري الإيراني” وخدمة الأجندة الإيرانية لتحسين أوراق طهران في المفاوضات، وكل ذلك على حساب السلم الأهلي اللبناني.
وتشدد المصادر، على أن كل ما يُحكى عن التسريبات “المتعمدة” التي يروّجها “الحزب” بأنه أبلغ المراجع الرسمية بأنه لن يدخل في حرب إسناد جديدة لإيران في حال اندلعت المواجهة معها مجدداً، لا يمكن الاعتداد به أو أخذه سبيلاً للاطمئنان، إذ إن التجارب السابقة مع “الحزب” تؤكد أن وعوده وتعهداته لا تتمتع بأي مصداقية.
تضيف: “الحزب مستعد لينكث بوعوده وتعهداته كلها، متى أتته الأوامر من أصحاب الإمرة في طهران، ليقوم على الفور بالتنفيذ وتسعير الجبهة اللبنانية؛ تماماً كما سبق وتعهّد للمراجع الرسمية وعبر رئيس مجلس النواب نبيه شخصياً، بأنه لن يدخل في حرب إسناد جديدة بعد حرب إسناد غزة، ليبادر مجدداً إلى حرب إسناد إيران “ثأراً للخامنئي”، من دون أن يرف له جفن أمام الأهوال والكوارث والمآىسي التي استجرها على لبنان، لننتهي إلى احتلال إسرائيل لنحو 700 كلم2 من الأراضي اللبنانية ودمار نحو 70 بلدة ومدينة جنوبية بالكامل وآلاف الضحايا والجرحى وخسائر تناهز الـ30 مليار دولار”.
المؤسف، أنه في مقابل هذه المخاطر المحدقة، تلقت هيبة الدولة اللبنانية وصورة شرعيتها طعنة قوية ومخيبة من داخل الحكومة؛ إذ ترى مصادر سياسية بارزة عبر موقع “القوات اللبنانية”، أن عجز مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة عن اتخاذ قرار سيادي حاسم بإحالة ملف متفجرات “ضهر البيدر” ومنطقة “القصر” الحدودية إلى المجلس العدلي، واكتفاءه بترحيل الأزمة عبر مخرج “مائع” يقضي باستمرار البحث في القضية من دون تحديد أي سقف زمني ملزم، شكّل سقوطاً مدوياً لمصداقية الدولة أمام مواطنيها وأمام المجتمع الدولي؛ الذي يراقب عن كثب مدى جدية الشرعية في ضبط حدودها ومرافقها والتزامها ببسط سيادتها وحصر السلاح بيدها ونزعه من سائر الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون وفي مقدمتها “الحزب”.
وبحسب المصادر نفسها، أن هذا التخاذل الرسمي المريب والانكفاء الحكومي الفاضح أمام ملف يمس الأمن القومي بالعمق، فعل فعله في “فرعنة” الحزب ومنحه غطاءً ومبرراً للاستعلاء والاستقواء على الدولة أكثر. وتلفت، إلى أن الماكينة السياسية والإعلامية لـ”الحزب”، مستندة إلى “وهن” الموقف الحكومي، انتقلت إلى مرحلة الوقاحة الفجة عبر توجيه تحذيرات وتهديدات مباشرة جهاراً نهاراً للمراجع السياسية العليا في البلاد، وصولاً إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون حيث أكد محمود قماطي أن “نزع سلاح “الحزب” لن يتم في عهده ولا في أي عهد.. نحن أقوى من الدولة”، بالإضافة إلى التحذيرات السافرة التي تلقتها المراجع القضائية والأمنية.
المصادر تعتبر، أن هذه محاولة سافرة مكشوفة لترهيب الدولة بمؤسساتها كافة ومنعها من التوسع في التحقيقات، أو فتح “الصناديق السوداء” لشحنات الموت والتهريب المضبوطة. وتؤكد، أن الهدف الحقيقي لهذا الهجوم المنظم ليس مجرد حماية مسؤولين أو قياديين معينين في “الحزب”، بل قيادة انقلاب ميداني وسياسي مكتمل الأركان في شوارع بيروت وحنين إلى “7 أيار” جديد، بهدف إجبار الدولة على تراجع علني ومذل ينسف بالكامل مفاعيل القرارات السيادية السابقة في 5 و7 آب و2 آذار.
وتحذر المصادر، من أن هذا “المسار الانتحاري” يضع البلاد أمام معضلة وجودية، حول ما إذا كانت الشرعية قادرة على الاستفاقة من “غيبوبتها” واستعادة احتكارها لقرار الحرب والسلم والسلاح والعنف، أم أنها ستستمر في التخاذل والتلكؤ وصولاً إلى حدِّ التواطؤ بالصمت على انتهاك هيبتها وصورتها بشكل سافر غير مسبوق، تاركة لبنان رهينة لمغامرات عبثية تدميرية على توقيت الإملاءات الخارجية، فتضيع “الفرصة التاريخية” السانحة لإنقاذ لبنان وإخراجه من أتون الحروب والأزمات المتناسلة منذ أكثرمن ستة عقود.
