
لم يعد أمام “الحزب” ومحوره في الإقليم والعالم العربي إلا الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول من العام 2026، والانتخابات النصفية لأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة الأميركية في الثالث من تشرين الثاني، بعد سنوات على انسداد الآفاق أمام المحور في الإقليم والعالم، من فنزوبلا وإيران وصولًا الى فلسطين ولبنان، من كافة النواحي السياسية والعسكرية والاستراتيجية والتكتيكية والاقتصادية والمالية، وبعد قطع أوصال طرق تموينه وتمويله، مع إسقاط النظام في سوريا… وكأن الانتخابات العتيدة إن أتت بحسب ما تشتهيه السفن في طهران وأتباعها في لبنان، ستجلب حتمًا لـ”الحزب” والمحازبين والمحور وتابعيه، المنّ والسلوى وأكاليل الغار والانتصار، وكأنها إيذانًا وفتحًا مبينًا، مُشرّعًا طريق القدس على مصراعيها بعد أن رصفت وقُطعت بأكوام الردميات، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا والتي لم تزل ولم تُزَل.
اليوم عشية الانتخابات، يمتلىء إعلام الممانعة والمتحلقين حولها بكافة أنواعه، بسيناريوهات السقوط العتيد العظيم لنتنياهو، حتى يخال للمستمع والقارىء والمشاهد للتحليلات والتخيلات أن خليفة نتنياهو لا بدّ أن يكون “مُلّا” من ملالي إيران الإسلامية أو شيخًا أو إمامًا أو كادرًا من أحزابها وأذرعها، في فلسطين والعراق وسوريا واليمن، وطبعًا، بما أن الإعلام الممانع قد شبّ وشاب على اجترار تجربة العام 1967 وتكرار نموذج أحمد سعيد من إذاعة صوت العرب من القاهرة، فإنه لم يكلّف نفسه عناء قراءة برامج المرشحين المنافسين للانتخابات الاسرائيلية وسياستهم المزمع اعتمادها، وخاصة تجاه إيران وحزبها في لبنان.
لتتكرر في الـ2026 نكسة العام 1967 التي استفاق عليها الجمهور العربي بعد “سكرة” الدخول الى القدس وتدمير الطائرات الإسرائيلية، مع قراءة برنامج وتصاريح وسياسة الجنرال غادي ايزنكوت، المرشح المحبب على قلب الممانعين والمعلق عليه الآمال… فمنافس نتنياهو يتبنى مواقف أمنية وعسكرية أكثر تشددًا تجاه لبنان وإيران و”الحزب”، وهي لا تقل صرامة عن مواقف نتنياهو فايزنكوت، وهو المهندس الاستراتيجي لـ”عقيدة الضاحية” والتي صاغها عقب حرب تموز من العام 2006 والتي تنص على استخدام القوة العسكرية التدميرية الهائلة وبشكل غير متناسب ضد البنى التحتية والمناطق التي ينطلق منها الهجوم كأداة للردع… وهو عاب على نتنياهو تراجعه في الحرب الأخيرة أمام الضغوطات الأميركية لوقف العمليات العسكرية الكبرى في بيروت، وايزنكوت يتشدد أكثر من نتنياهو بمطالبته بالحرية الكاملة للجيش الاسرائيلي وأجهزة الأمن الإسرائيلية للعمل في كل لبنان، لمنع إعادة تسليح “الحزب” وهو يتقاطع مع الإجماع الإسرائيلي في هذه النقطة، كما يتقاطع مع هذا الاجماع ومع نتنياهو على أن إيران هي التهديد الوجودي الأكبر، وطبعًا، لم يقرأ الممانعون ولم يعرض إعلامهم أن المرشح المأمول قد قاد خلال فترة رئاسته للأركان (2015-2019)، استراتيجية هجومية مكثفة سريّة، لضرب آلاف الأهداف الإيرانية وشحنات الأسلحة في سوريا لمنع التموضع الإيراني على حدود إسرائيل وقطع خطوط الإمداد المتجهة إلى لبنان، وانضم الى حكومة الطوارىء بعد 7 تشرين الأول من العام 2023 برئاسة نتنياهو، ثم انسحب منها منتقدًا إدارة الحرب لا الحرب.
يعيدنا تمسك المحور الغارق في هزائمه بقشة الانتخابات الإسرائيلية والأميركية الى تاريخ الرابع من تشرين الثاني من العام 1995، حين أقدم اليهودي المتطرف ايغار عامير على اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين احتجاجًا على توقيعه اتفاقيات أوسلو للسلام مع الفلسطينيين، يومها عمّت مظاهر الفرح والابتهاج شوارع مناطق نفوذ “الحزب” والقوى الممانعة حواجزَ حلوى وإطلاق نار وقذائف “أر. بي. جي”، وقد ورد أن تلك القذائف ضربت يومها “أرقامًا قياسية” على ما ورد في عنوان صحيفة السفير في 6 تشرين الثاني من العام 1995… طبعًا لتأتي الفكرة لاحقًا بعد السكرة، أن الفلسطينيين باتوا يحلمون بتحقيق نسبة قليلة جدًا من ما ماوقّعه رابين وذهب ضحية هذا التوقيع.
كما يعيدنا الاحتفال العتيد بمنافس نتنباهو الى ترويج الممانعة نفسها وتعليق آمالها على دونالد ترامب قبل انتخابه في ولايته الأولى وابتهاجها واحتفالها بفوزه، فيقول ناصر قنديل على سبيل المثال للتلفزيون السوري في 9 تشرين الثاني من العام 2016: “فوز ترامب هو انتصار لخطنا السياسي”، ويقول رأس الممانعة آنذاك الرئيس السوري بشار الأسد في 15 تشرين الثاني من العام 2016: “ترامب سيكون حليفنا”، كذلك اللواء جميل السيد في 6 تشرين الأول من العام 2018: “ترامب حليفنا”.
وكما كان مفعول السكرة في أعوام 1967 و1995 و2016 ضعيفًا وقصيرًا قبل “الفكرة” المخيبة والمحبطة للجماهير المحتفلة المحتفية، ستكون سكرة الفوز بآيزنكوت نكسة أخرى وإحباطًا وخيبة، لمن تعمّد الضلال والتضليل… “ولات ساعة مندم”.
.jpg)