
لا شك أن ما أحرزته قائمتا الأحزاب العربية في الانتخابات الإسرائيلية قد شغل المجتمعات العربية والإسلامية وملأت فضائياتها ومنصانها، وباتت محط تحليلات الصحافيين العرب من كافة الاتجاهات والتي وصفت حصول الأحزاب العربية على 19 مقعدًا في الكنيست الإسرائيلي ضربة قاصمة “لحكومة نتنياهو” وبعضها وصفها بأنها نصر مبين على الكيان الإسرائيلي الصهيوني الغاصب.
وتسليمًا بالجدل المسيطر على التشخيص المعمم لفوز القوائم العربية، لا بدّ أن نشير الى أن الانتخابات كانت لاختيار أعضاء الكنيست الإسرائيلي أي مؤسسة أساسية ورئيسية من مؤسسات الدولة الإسرائيلية، والمرشحين الفائزين تنطبق عليهم أحكام وشروط دستور الأساس الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال إنَّ البند الـ6 (أ) من قانون أساس: الكنيست ينصّ على أنَّ كل مواطن إسرائيلي عمره في يوم تقديم قوائم المرشّحين يتراوح بين الـ21 وما فوق يحق له ترشيح نفسه للانتخاب للكنيست.
كما ينص البند الـ7 (أ) من قانون أساس: الكنيست على منع قائمة المرشحين أو المرشح في قائمة المرشحين من حوض الانتخابات للكنيست، إذا انطوت أهداف أو أعمال كليهما، بصورة مباشرة أم غير مباشرة، على أحد الأمور التالية:
1 . رفض كيان دولة إسرائيل بصفتها دولة يهودية وديمقراطية.
2 . التحريض على العنصرية.
3 . دعم الكفاح المسلح لدولة معادية أو منظمة إرهابية ضد دولة إسرائيل.
وينص التعديل الرقم 39 من قانون الأساس على أن المرشح الذي عاش في دولة عدو بخلاف القانون في السنوات السبع السابقة لتقديم قائمة المرشحين، سيتم اعتباره كمَن تنطوي أعماله على دعم الكفاح المسلح ضدّ إسرائيل، كلما لم يقم بإثبات غير ذلك.
من هنا، نفهم فتور موقف الممانعين وإعلامهم وحرجهم من تقدم شخصيات الأحزاب العربية التي تنطبق عليها الأحكام والشروط المذكورة أعلاه، فوثيقتا “الحزب” التأسيسية في العام 1985 والسياسية في العام 2009، اجمعتا على تحريم وتجريم الاعتراف بإسرائيل كدولة، كما حرّمتا وجرّمتا كل أشكال التفاوض مع “الكيان الغاصب”، وهنا لا بدّ من تذكير المبتهجين من بعض الممانعين أن ما يحصل اليوم قد سبق أن حصل مع القائمة العربية الموحدة – راعام، عندما انضمت القائمة العربية الموحدة (راعام) برئاسة منصور عباس إلى حكومة بينيت ـ لبيد في 2 حزيران من العام 2021، صدر عن مصادر “الحزب” عبر قناة “المنار” وصحيفة “العهد” الناطقة باسمه في نفس الأسبوع (3 ـ 5 حزيران 2021) وجاء فيه:
“كما نقع على خطاب مفسّر للحرج الذي أصيب به الحزب ومحوره في الـ2026، إذ يقول نصرالله في يوم القدس العالمي في 7 أيار من العام 2021 حرفيًا:
إسرائيل كيان غير شرعي، وكل مؤسساته غير شرعية، والكنيست والحكومة والجيش كلها أدوات للاغتصاب. لا فرق بين يمين ويسار في إسرائيل، كلهم محتلون …”
كذلك الموقف الحالي على لسان الأمين العام نعيم قاسم في 28 تشرين الأول من العام 2026 بالتزامن مع صدور نتائج انتخابات الكنيست :
“لا يعنينا من يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب… لكن فليعلم أنه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله وعليه أن يخرج من أرضنا…لا يعنينا من يحكم إسرائيل وعليه الانسحاب من الأراضي اللبنانية”.
هذا يعني بحسب عقيدة الحزب والمحور : “كل الأحزاب داخل الكنيست، يمينًا أو يسارًا، عربية أو يهودية، هي جزء من منظومة الاحتلال، ولا فرق بين نتنياهو وغانتس أو بين الليكود والقائمة العربية من حيث الشرعية، لأنهم جميعًا يعملون تحت سقف “الدولة اليهودية”…
“للأسف الانسان يتحدث عن عدوه وهو يحسن صنعًا”، انطلاقًا من العبارة التي أطلقها نصرالله في 25 أيار من العام 2013 عندما أبدى إعجابه بالعدو الإسرائيلي بما “يعني مصالحه ومشاريعه”، لا بدّ أن نتأسف ونحن نتحدث على العدو ودولته في الديمقراطية التي ترجمت إقبالًا عربيًا عقابيًا لحكومة نتنياهو، على ما يرتكبه في غزة والضفة، من دون أن تستطيع السلطة الظالمة الغاصبة وأجهزتها الأمنية من عرقلة المقترعين أو منع المرشحين، على عكس ما نراه في دول المحور المقاوم الممانع وعلى رأسها إيران، وخلاف ما شاهدناه وشهدنا عليه من تهديدات واعتداءات على المقترعين والمرشحين في الانتخابات البلدية والنيابية والتجاوزات والمخالفات في الأقلام ومراكز الاقتراع في المناطق الخاضعة لسطوة ونفوذ “الحزب”، ذراع المحور المركزي في لبنان.
وقد زاد رئيس حزب التوحيد وئام وهاب على شعرنا بيتًا في تغريدته قائلا: “يا عيب الشوم. العرب داخل إسرائيل هم أكثر العرب حرية وقدرة على التعبير عن النفس. إسرائيل تقيم مهرجانًا ديمقراطيًا والعرب يرقصون. الرابح الوحيد أمس دولة اسرائيل ومؤسساتها. طبعًا كلامي لا يعجب الرؤوس المسطحة لأنهم دائمًا منتصرون”.
