
تؤكد المعطيات والمعلومات الواردة من العاصمة الأميركية واشنطن أن الموقف الأميركي من تلكؤ الدولة اللبنانية في ملف حصرية السلاح يتجه إلى مزيد من التشدد، وبات يتخطى العتب الدبلوماسي العابر أو رسائل التشجيع والحث للدولة، بل تحوّل، إلى خيبة أمل عميقة وبداية فقدان ثقة فعلية بقدرة الحكومة في لبنان على الانتقال من مرحلة القرارات التاريخية إلى مرحلة التنفيذ العملي على الأرض.
ففيما اكتفت الحكومة بإصدار أهم قرارات في تاريخ لبنان الحديث، وهي حصر السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وتصنيف الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”الحزب”، بالتسمية الواضحة، خارجة عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية والطلب من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة والقضاء اتخاذ جميع الإجراءات الفورية اللازمة لتنفيذ هذا القرار، بقيت تلك القرارات حبراً على ورق.
هذه المعلومات الموثوقة، نقلاً عن مصادر دبلوماسية في واشنطن لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، تؤشر إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد ارتفاع منسوب الضغوط على الدولة اللبنانية إزاء هذا التخاذل والتقاعس “غير المفهوم”. وتوضح المصادر، أن التقييم الأميركي يستند إلى أن لا خطة تنفيذية معلنة، ولا جدول زمني لنزع السلاح، ولا آلية واضحة لبدء التطبيق قي أي منطقة، سواء في الجنوب أو البقاع والضاحية الجنوبية أو سائر الأراضي اللبنانية؛ بالتالي، لا خطوة عملية واحدة تثبت للداخل والخارج أن الدولة اللبنانية جادة في استعادة قرارها المصادر من “الحزب”.
هذا التخاذل القاتل، تقول المصادر، هو ما يصب مباشرة في خدمة “الحزب” ويمنحه الوقت الإضافي الذي يريده. فـ”الحزب”، بدل أن يجد نفسه أمام مسار داخلي جدي وحازم لتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، وجد نفسه أمام دولة متلكئة ومرتبكة، فزاد من عنجهيته بشكل غير مسبوق. بات يتكبّر ويستكبر، يتحدّى الدولة علناً، يهدّد الداخل بالحرب الأهلية ويستقوي ويتعنَّت أكثر، ويواصل وفق تقارير أمنية متطابقة، تعزيز ترسانته وإعادة بناء قدراته العسكرية والأمنية، فيما المفترض أن تتقدم الدولة هي لنزعها ومصادرتها.
هنا، تكشف المصادر لموقع “القوات اللبنانية”، أن الرسائل الأميركية التي وصلت إلى بيروت في الأيام الماضية عبر أكثر من قناة، كانت “قاسية” في لهجتها. واشنطن أبلغت المسؤولين اللبنانيين أنها غير راضية إطلاقاً عن هذا الأداء “الانتظاري”، وأن الاستمرار في سياسة “القرارات التي لا تنفذ” سيجعل لبنان يخسر المظلة الدولية والعربية التي حمت عدم انهياره وسقوطه حتى الآن.
وترجمة هذا الاستياء، تضيف المصادر، لن تقتصر على البيانات السياسية أو تأخير المساعدات. فالإدارة الأميركية، بالتنسيق المباشر مع وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، تُحضّر لحزمة عقوبات جديدة نوعية، مختلفة جذرياً عن كل ما سبق.
فبعد أن كانت العقوبات في السنوات الماضية تطال شخصيات محسوبة مباشرة على “الحزب” وتمويله، وانتقلت لتطاول الطرف الثاني في “الثنائي الشيعي”، فإن التوجه الجديد، وهو الأخطر، هو معاقبة كل من يعرقل بسط سيادة الدولة من الداخل اللبناني نفسه، تحت عنوان “تقويض مؤسسات الدولة ومنعها من بسط سلطتها”. وتشمل اللائحة قيد الدرس، وفق المعلومات المتقاطعة، شخصيات سياسية من الصف الأول والثاني تتعمد تعطيل القرارات في مجلس الوزراء والمجلس النيابي، وقضاة نافذين يغطون على أعمال “الحزب” ويعرقلون الملاحقات المتعلقة بتهريب السلاح وتمويله وتبييض الأموال، وضباط وأمنيين في مواقع حساسة يتعاونون مع “الحزب” ميدانياً ويغضّون النظر عن تحركاته ويمررون له المعلومات الحساسة!
إذاً، الرسالة الأميركية باتت واضحة لا لبس فيها: من يغطي السلاح غير الشرعي شريك كامل في عرقلة قيام الدولة في لبنان، وسيُعامل على هذا الأساس مهما كان موقعه. فهل تتلقف الشرعية هذه الرسالة الأميركية الخطيرة وتتعامل معها وفق المقتضى الواجب وتحزم أمرها فتلمّع صورتها “المغبّرة”، أم تفضّل وضعية الدولة “الركيكة المتخاذلة” التي باتت تطبع صورتها في دوائر الإدارة الأميركية؟
