.jpg)
على وقع الاستحقاقين المفصليين في تل أبيب وواشنطن، ومع دخول الكنيست الجديد مرحلة مشاورات التكليف الحكومي التي تنطلق الأربعاء المقبل، وعشية انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة غداً الثلاثاء، يقف لبنان على جمرٍ حارق مترقباً ما ستؤول إليه خريطة الإقليم في الساعات الـ 72 المقبلة. في هذا المشهد الضبابي، بدت المنطقة وكأنها على فوهة بركان مفتوح، في ظل تضارب غير مسبوق حول مصير المواجهة المحتملة بين محور واشنطن – تل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى.
تهديدات خامنئي ترفع السقف
وفي ذروة هذا الترقب، جاءت مواقف المرشد الإيراني”المتواري” مجتبى خامنئي لتصبّ الزيت على نار القلق. ففي لهجة تصعيدية غير مسبوقة، دعا خامنئي القيادة العسكرية الإيرانية إلى جهوزية مطلقة للرد “بشكل فوري وفعال ومن دون أي سقف جغرافي” في حال تعرضت إيران لأي هجوم.
مصادر دبلوماسية مطلعة قرأت في كلام خامنئي ما هو أبعد من رسالة ردع موجهة لواشنطن وتل أبيب. وبحسب المصادر لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، فإن طهران توجه من خلال هذا الخطاب أمر عمليات مبكر لأذرعها المنتشرة في المنطقة للتحرك وإسنادها في حال انفجار الوضع.
وهنا، تضيف المصادر، يكمن الخطر الأكبر على لبنان، محذرة من أن أي محاولة لتوريط “الحزب” لبنان في جولة جديدة من الحرب تحت عنوان “المساندة”، ستكون بمثابة عودة إلى المربع صفر، وانقلاب صريح على مسار استعادة الدولة لقرارها، ونسف كامل لجهود الشرعية الرامية لتثبيت الاستقرار الدائم، وهي الجهود التي تشكل المفاوضات القائمة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية حجر أساسها، والتي لا يزال “الحزب” يعمل على عرقلتها ويبذل كل ما يستطيعه لإبقاء لبنان رهينة وورقة تستخدمها طهران لتحسين شروط مفاوضاتها.
الوساطة القطرية بين الإيجابية والغموض
ويأتي هذا التصعيد في وقت بلغ فيه التضارب ذروته حول الوساطة القطرية التي توصف بأنها “فرصة أخيرة” بين الأميركيين والإيرانيين. ففيما سربت أجواء عن إيجابية قد تفضي إلى إطار تفاوضي جديد يبعد شبح الحرب الثالثة التي جرى الترويج لحتميتها بعد انتخابات الثلاثاء الأميركية، أتى سيل التهديدات الإيرانية ليعيد خلط الأوراق ويجعل الحيرة سيدة الموقف.
مصادر متابعة للوساطة القطرية أكدت، عبر موقع “القوات اللبنانية”، أن لبنان معني مباشرة بنتائجها، فأي فشل لها يعني أن المنطقة ذاهبة نحو المجهول، وهو ما يفسر حالة الاستنفار اللبناني الحذر.
موقف رجي يقطع الطريق ويرسم “الخط الأحمر”
وسط هذا الضجيج الإقليمي، برز موقف لافت لوزير الخارجية يوسف رجي من منبر “حوار المنامة”، وضع فيه النقاط على الحروف في ملف السيادة. وأمام جلسة “شرق المتوسط: ملتقى القارات وجسر إلى الخليج”، شدد رجي على مبدأ لا مساومة عليه، قائلاً: “لا يحق لأي دولة أن تبني طموحها الإقليمي عبر ميليشيات مسلحة تعمل خارج كنف الشرعية”.
وفي قراءة صريحة للتجربة اللبنانية، قال رجي: “لبنان دفع لسنوات طويلة ثمن تحويل التنظيمات المسلحة إلى أدوات نفوذ خارجي، وثمن رهن القرار الوطني بحسابات لا تمت لمصلحته بصلة”. وأضاف: “العلاقة مع أشقائنا في الخليج أثبتت أنها أمتن من كل محاولات مَن رهن لبنان بمشاريع لا نريدها ولم نطلبها”.
السيادة ليست شعاراً
وذهب رجي أبعد من التوصيف السياسي، ليؤكد أن قرارات حصر السلاح بيد الدولة وحظر أي نشاط عسكري وأمني لـ”الحزب” “ليست مجرد إعلان نوايا أو مواقف ظرفية، بل هي مسار تنفيذي بدأ”. وختم برسالة مزدوجة، داخلية وخارجية قائلاً: “لن نقبل بعد اليوم أن تتحول أرضنا منصة لتهديد أمن الأشقاء العرب، ولا أن نكون خط دفاع متقدم لمصالح الآخرين. السياسة الخارجية تُرسم في بيروت، والأمن الوطني تقرره الدولة وحدها. واستعادة السيادة الكاملة تمر حكماً عبر الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته”.
وبحسب مصادر دبلوماسية مشاركة من المنامة، لموقع “القوات اللبنانية”، فإن موقف رجي ليس كلاماً بروتوكولياً، بل هو إعلان براءة ذمة إقليمية، وتثبيت لخط العهد السيادي والحكومة اللبنانية، ورسالة ردع استباقية لكل من يفكر باستخدام الساحة اللبنانية كصندوق بريد ناري في لحظة الانفجار الإقليمي المقبل.