.jpg)
يثبت لبنان مرة أخرى أن أزمته ليست مرتبطة فقط بالتطورات والأحداث الإقليمية والدولية وانعكاسها عليه، بل هي في جانب أساسي منها داخلية بامتياز. فمن ملف الكهرباء المزمن، يبرز نموذج مختلف للقرار المسؤول الجريء، مع وزير يختار المواجهة لا الانتظار، واضعاً الدولة أمام اختبار جديتها في استعادة هيبتها وحق المواطن. فهل يكون ما بدأه وزير الطاقة والمياه جو صدي في ملف الكهرباء المزمن بداية النهاية لعتمة عمرها عقود، أم مجرد ومضة في ليل المحاصصة الطويل المتجذر في عمق “الدولة العميقة”؟
المفارقة الصارخة التي كشفها ملف “كهرباء لبنان”، بحسب مصادر سياسية متابعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذه الأزمة الممتدة ليست تقنية ولا مالية ولا حتى مرتبطة بالحصار والعقوبات فقط كما يحاول البعض تصويرها، “هي أزمة قرار بامتياز”.
تضيف: “في لبنان، نحن نتعثّر في ملف الكهرباء، وسائر الملفات والقضايا، بسبب غياب القرار الجدي الصارم والحازم والذي يذهب إلى النهاية في مواجهة التحديات وإيجاد الحلول للمشاكل والأزمات. الدولة اللبنانية موجودة بكل مؤسساتها، بجيشها وموظفيها وقوانينها وقضائها، لكنها لا تعمل لأن من يفترض أن يشغّلها، في الغالب، منخرط أو مستسلم أو متخاذل في مواجهة “الدولة العميقة”، بالإضافة إلى “استمراء” وضع الدولة في حالة انتظار دائم للخارج وللموفدين وانتظار ما تحمله التطورات والأحداث”.
وترى المصادر ذاتها، أن ما يحصل منذ عقود في ملف الكهرباء في لبنان، هو لأن أحداً لم يكن يريد فعلاً تحمّل المسؤولية بجرأة وشفافية واستقامة كاملة. كنا أمام عقلية سياسية وإدارية تتعامل مع الكهرباء كغنيمة سياسية توزَّع على الأطراف والمحاسيب والأزلام، لا كحق أساسي للمواطن، ومع الدولة كمنصة انتظار للوساطات، لا كصاحبة قرار وأداة فعل وإنتاج وخدمة.
وهنا يكمن التحول الحقيقي الذي أحدثه الوزير جو صدي ـ والذي لا يمكن لأي مراقب محايد وموضوعي أن يتجاهله ـ في هذا الملف المعقد والشائك الذي تفوح منه رائحة الفساد منذ سنوات؛ ومواقع التواصل والمنصات الإلكترونية تضج بالمواقف المؤّيدة للخطوات غير المسبوقة التي اتخذها صدي بقطع اشتراكات المؤسسات والإدارات والبلديات المتخلفة عن الإيفاء بالمستحقات المتوجبة عليها لـ”كهرباء لبنان”.
الناس تتأمل اليوم بأن يكون ملف الكهرباء سلك طريق المعالجة النهائية، وتدعم وتشد على يد الوزير صدي ليُكمل بنهجه مهما اشتدت الضغوط والعراقيل؛ لم يعد مقبولاً أن يكون انقطاع التيار الكهربائي قدراً محتوماً، وأن يكون تعطل المؤسسات قدراً آخر يتعايش معه اللبنانيون بلا اعتراض.
