
من كييف إلى مدريد، مرورًا ببانكوك، ارتفع البرتقالي على أكتاف الحالمين بالتغيير. بعض أصحابه وصل إلى الحكم، وبعضهم خرج منه، وآخرون اكتشفوا أن الشعارات أسهل بكثير من تنفيذها. فهل بات هذا اللون، في بعض تجاربه السياسية، عنوانًا للوعود التي تتقدم على الإنجازات؟
لعلّ اللون البرتقالي لم يحظَ في التاريخ السياسي بما يستحقه من الدراسات. فهو لون يجمع بين حرارة الأحمر وإشراق الأصفر، لكنه في بعض التجارب الحزبية والثورية بدا كأنه يجمع أيضًا بين حرارة الخطابات وشحّ النتائج. وللبرتقالي فضيلة لا تُنكر، إنه بارع في المهرجانات، يملأ الساحات، ويوحّد القمصان والقبعات، ويمنح الجماهير شعورًا بأن المستقبل بات على مسافة هتاف. أما حين تنتهي الاحتفالات ويبدأ الحساب، فتلك حكاية أخرى. واللافت أن عددًا من الحركات التي رفعت هذا اللون عرف صعودًا سريعًا، قبل أن يصطدم بحقائق السياسة. كأن البرتقالي يصلح أحيانًا لافتتاح الثورات أكثر مما يصلح لإدارة نتائجها.
أوكرانيا: ثورة انتهت بإعادة من قامت ضده
في أوكرانيا عام 2004، اكتست كييف بالبرتقالي. كان فيكتور يوشينكو بطل المشهد، وكانت الثورة تعد بالديمقراطية ومحاربة الفساد وإنهاء الهيمنة السياسية القديمة. انتصر يوشينكو، واعتقد المحتفلون أن صفحة جديدة فُتحت في تاريخ البلاد. لكن الصفحة الجديدة سرعان ما امتلأت بالخلافات والانقسامات والخيبات. وتراجعت شعبية الرئيس الذي حملته الثورة، إلى أن جاءت انتخابات العام2010 لتعيد فيكتور يانوكوفيتش، الرجل الذي قامت الثورة في مواجهته، إلى الرئاسة.
ست سنوات كانت كافية ليتحول انتصار البرتقالي إلى واحدة من أكثر مفارقات السياسة الأوكرانية إثارة للسخرية، ثورة نجحت في إبعاد خصمها، ثم شاهدته يعود عبر صناديق الاقتراع. ولم تكن الثورة بلا أثر ديمقراطي، لكن النتيجة أظهرت أن إسقاط الخصم قد يكون أسهل من الوفاء بوعود المنتصر.
إسبانيا: حزب المستقبل الذي أصبح من الماضي
أما في إسبانيا، فقد قرر حزب “سيودادانوس” أن البرتقالي هو اللون المناسب لتجديد الحياة السياسية. تأسس في العام 2006، ورفع شعارات الإصلاح والشفافية ومواجهة الأحزاب التقليدية. وفي نيسان من العام 2019، حصد 57 مقعدًا في البرلمان، وبدا أن إسبانيا أمام قوة سياسية صاعدة.
لكن المستقبل، الذي وعد الحزب بصناعته، لم ينتظره طويلًا. بعد سبعة أشهر فقط، تقلص تمثيله إلى عشرة مقاعد، وفي العام 2023، لم يخض الانتخابات التشريعية بعد خسائر انتخابية متلاحقة.
وهكذا، فإن الحزب الذي أراد أن يثبت أن الأحزاب القديمة استنفدت صلاحيتها، وجد نفسه أمام السؤال نفسه، ولكن هذه المرة عن صلاحيته هو. كانت سرعة تراجعه تكاد تنافس سرعة صعوده. وإذا كانت السياسة فن الممكن، فإن تجربته ذكّرت بأن المبالغة في الوعود قد تتحول إلى فن خسارة الممكن أيضًا.
تايلاند: البرتقالي الذي يعود كلما حُظر
في تايلاند، اختار حزب “المستقبل إلى الأمام” اللون البرتقالي، ووعد بإصلاح النظام السياسي وتقليص نفوذ المؤسسة العسكرية. ظهر الحزب في العام 2018، واستقطب الشباب، لكنه حُلّ قضائيًا سنة 2020. انتقلت قاعدته إلى حزب “التقدم إلى الأمام”، الذي تصدّر انتخابات العام 2023، من دون أن يتمكن من تشكيل الحكومة.
ثم حُلّ الحزب الجديد سنة 2024، وانتقل أنصاره إلى حزب الشعب. ثلاثة أسماء، ولون واحد، وصراع سياسي لم ينتهِ. غير أن السخرية هنا لا يمكن توجيهها إلى عجز الحزب عن الوفاء بوعوده، لأنه لم يتمكن أصلًا من تولي الحكم. إنها مفارقة أخرى، قد ينجح البرتقالي في صناديق الاقتراع، ثم يجد نفسه خارج السلطة بقرارات المؤسسات التي أراد إصلاحها.
جورجيا: الثورة التي اكتشفت أن السلطة أكثر تعقيدًا من الشعارات
لم تكن ثورة جورجيا في العام 2003 برتقالية بالمعنى الدقيق، بل عُرفت بثورة الورود. لكنها كانت جزءًا من موجة الثورات الملونة التي وعدت بإحداث قطيعة مع الماضي. وصل ميخائيل ساكاشفيلي إلى السلطة على أكتاف شعارات الديمقراطية ومكافحة الفساد. وقد حقق إصلاحات فعلية، خصوصًا في الإدارة والشرطة، لكن حكمه واجه انتقادات بسبب تركز السلطة والتعامل مع المعارضة.
وفي العام 2012، خسر حزبه الانتخابات، وانتقلت السلطة إلى خصومه. وكان الدرس أن الثورة تستطيع تغيير الحاكم، لكنها لا تعفي الحاكم الجديد من المساءلة. فالشعب الذي يصفق للتغيير قد يعود ليطالب أصحابه بتغيير أنفسهم.
لبنان: برتقالي آخر أمام امتحان التاريخ
في لبنان، اختار التيار الوطني الحر البرتقالي لونًا له، ورفع شعارات الإصلاح والتغيير ومحاربة الفساد وبناء الدولة. قاد ميشال عون حركة اعتراض طويلة، ثم عاد من “المنفى” في العام 2005، ليدخل التيار قلب الحياة السياسية. وبعد “تفاهم مار مخايل” في العام 2006، والمشاركة في الحكومات، وحملات التعطيل، وصل عون إلى رئاسة الجمهورية في العام 2016. وهكذا انتقل التيار من رفع المطالب إلى المشاركة في السلطة التي يفترض بها تحقيقها.
غير أن لبنان شهد خلال تلك المرحلة إنهيارًا ماليًا ومؤسسيًا عميقًا، وأصبحت مسؤولية التيار، إلى جانب سائر القوى الحاكمة، موضع سجال سياسي واسع. وفي انتخابات العام 2022، تراجع حجم تكتله النيابي، ثم واجه انقسامات داخلية وخروج شخصيات بارزة من صفوفه.
اليوم، يحاول التيار بقيادة جبران باسيل إعادة تقديم نفسه قوة معارضة، بعد سنوات من المشاركة في الحكم. والمفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن “التيار” الذي رفع شعار التغيير بات مطالبًا بتفسير حصيلة مشاركته في السلطة، قبل أن يطلب من اللبنانيين الثقة بوعوده مجددًا. فالعقوبات الدولية وملفات الفساد والتراجع الدراماتيكي شعبيًا، سمات مرحلته الراهنة.
لا يمكن الجزم بأن مصيره سيكون نسخة عن المصير الإسباني أو الأوكراني، فلكل بلد ظروفه. لكن التاريخ يتيح مقارنة لا تخلو من السخرية، من السهل أن يَعِد حزب بتغيير السلطة، والأصعب أن يفسر للناس ما الذي تغيّر بعدما أصبح جزءًا منها.
ولعل المشكلة ليست في البرتقالي، بل في الاعتقاد بأن تغيير لون الراية يكفي لتغيير الواقع، فاللون الذي يلفت الأنظار في الساحات لا يستطيع وحده أن يحفظ ثقة الناس، عندما يحين موعد الحساب.