لا جدال في قرار قوى ثورة الارز و"14 اذار" تسليم الدولة واجهزتها الامنية والعسكرية والقضائية مسؤوليات الحفاظ على امن المواطن ومكافحة اي اخلال بالامن وبالسلم الاهلي – كما لاجدال في ثقة جمهور ثورة الارز و"14 اذار" بالدولة كونه المشروع الوحيد الذي يخلص اللبنانيين من دوامات التدخلات الخارجية والدويلات الداخلية على حساب السيادة والحرية والاستقلال .
لكن، وابعد من ذلك، يحق لنا كمواطنين مراهنين على الدولة وقوة الدولة وحرصها على امن المجتمع وواجب الدولة في حماية المواطن وضمان امنه واستقراره – ان نطرح سلسلة من الملاحظات علها تلقي الضوء على الثغرات ومكامن التقصير لتصحيحها توصلا الى مسك المؤسسات الامنية والعسكرية والقضائية بزمام المبادرة وحماية الجمهورية والنظام والشعب بالشكل الفعال والناجع الذي نتمناه.
من هنا نسجل الملاحظات الاتية:
اولا: بغض النظر عن التحدي السافر للشرعية الدولية الذي مارسته استخبارات "حزب الله" في الاوزاعي اخيرا وعدم ملاءمة الهجمة الشرسة للحزب على المحققين الدوليين الذين يقومون بعملهم وفقا لمذكرة التفاهم مع الدولة اللبنانية ووفقا للقرارات الدولية ذات الصلة – يبقى ان ما حصل في الاوزاعي وفي عملية "اقتحام" عيادة الدكتورة شراره بالذات – كان قبل اي شيء تحدي للدولة اللبنانية ولاجهزتها الامنية ومؤسساتها الامنية السيادية وفي طليعتها مؤسسة الجيش اللبناني – الذي كان قائدها العماد جان قهوجي قد قطع وعدا بعدم السماح بأي مساس بأمن المواطن واستقرار البلد – فما حصل في الاوزاعي كان اول امتحان للمؤسسات الامنية والعسكرية الشرعية عما يمكنه فعله عند حصول التحدي – ورسالة من "حزب الله" بأن قوى الامر الواقع هي التي تقرر سياسات البلاد وتوجهاتها وحماية من تشاء عدم حماية من تشاء – فظهر للعيان ان الدولة اللبنانية لم تستطع حماية محققين دوليين رسميين. فالسؤال المشروع عندها يطرح حول كيف سيكون بامكانها حماية الشعب والمواطن في حال اي حدث امني او تهديد للسلم الاهلي؟
ثانيا: ان هذا التقصير الامني الفاضح – ان شئنا حصره بالتقصير من دون اي وصف اخر – يطرح مجددا على بساط البحث مبدأ القدرة الحقيقية للمؤسسات الامنية والعسكرية على التصدي الحاسم والحازم لاي خلل امني او ميداني اذا ما حصل لا سمح الله خصوصا وان صورة 7 ايار لا تزال ماثلة في الاذهان. يومها القوى الشرعية وقفت عاجزة تقريبا عن حماية ارواح وممتلكات الناس في بيروت والجبل، مما افقدها لدى قسم كبير من الناس الصدقية اللازمة بامكاناتها وفعاليتها – علما ان نفس القوى الشرعية وعلى رأسها الجيش اللبناني الباسل تمكن من تخليص لبنان من مجموعات ارهابية في نهر البادر وسواها رغم الثمن الباهظ والكلفة المرتفعة التي توجت باغتيال العميد فرانسوا الحاج. لكن التحدي يبقى امام المؤسسات الامنية والعسكرية في قدرتها الفعلية على التدخل الفعال والقادر على لجم اي تدهور . فلا ننسى مثلا احداث برج ابي حيدر الاخيرة وكم استغرقت العمليات "القتالية " من وقت كي تضبط رغم نزول الجيش وتطويق منطقة الاشتباكات ومحاصرة المسلحين…
فهذا التقصير وهذا العجز في فرض الامن بالقوة وليس بالتراضي لن يجدي اذا ما تعرضت البلاد – كما تنقله التسريبات الاعلامية لقوى "8 اذار" – لهزة امنية من اي نوع ومن اي حجم ما يتطلب اعادة النظر في صيغ واستراتيجيات التصدي لاي خلل امني داخلي بقوة وجرأة وحسم وحزم … اذا ارادت الاجهزة الرسمية فعلا حماية المواطن وصون السلم الاهلي والحفاظ على الاستقرار وهذا ما نعتقده بدورنا صادقين …
ثالثا: اللافت في السيناريوهات التي تسرب عبر وسائل الاعلام بشأن يوم الحسم او يوم الثورة الميدانية على القرار الظني العتيد – واخرها في جريدة "الاخبار" – انها كلها لا تأخذ بالاعتبار وجود القوى المسلحة الشرعية وكأن لبنان مزرعة سائبة لا دولة فيها ولا هيبة ولا سلطة زجر وقمع شرعية ولا جيش ولا قوى امن ولا شرطة ولا اجهزة امنية اخرى – علما ان العكس يجب ان يكون هو الصحيح لان القوى الامنية والعسكرية الرسمية هي بالنهاية المؤتمنة الوحيدة على دماء وارواح وممتلكات اللبنانيين في اي زمان واي مكان من لبنان. فهل هذا الاغفال متعمد من جانب المسربين لتحقيق واحد من امرين: اما افهام من يريد ان القوى الشرعية ستقف في احسن الاحوال على الحياد في حال اي صراع داخلي ميداني؟ وهذا ما لا نعتقده وما يجب الا يكون تحت اي ظرف، والا فهذه مصيبة وهنا يكمن خطر سقوط المؤسسات لا سمح الله – واما افهام من يريد بأن القوى الامنية والعسكرية الشرعية عند ساعة الصفر لن تكون حجر عثرة امام "الانقلابيين" وهنا المصيبة الاعظم …
لذلك نطالب القيادات الامنية والعسكرية الرسمية توضيح هذه المفارقة وخطتها لمواجهة اي تحدي امني يمكن ان يحصل في اي منطقة من مناطق لبنان يوم ساعة الصفر لدى "حزب الله" اذا صحت السيناريوهات الترهيبية… لان رهان المواطن على دولة تحميه عند ساعة الحاجة الى حماية…
رابعا: لجهة القضاء نرى ان حماية امن المواطن والاستقرار في البلاد يفترض اليقظة القصوى للتدخل عند اي اخلال بامن الناس وسلامة البلاد – من هنا نلاحظ الى الان ان القضاء اللبناني – مع احترامنا وتقديرنا لدوره وادواره الوطنية الى الان – لا يحرك ساكنا مثلا للادعاء على مسربي سيناريوهات الفتن السوداء عملا بالحق القانوني المعطى للقضاء والنيابة العامة التمييزية بالادعاء تلقائيا وعفوا على كل من يثير النعرات ويتسبب في الكراهية بين عناصر الامة وفي التعدي على امن الدولة الداخلي والخارجي – كما نراه لا يتحرك للادعاء على بعض المسؤولين في قوى "8 اذار" الذين يشتمون ويهددون ويتوعدون يوميا بالفظائع والارتكابات ويهددون امن الدولة واستقرار وسلامة النظام – لتوقيفهم واحالتهم للمحاكمة وتطبيق مواد القانون عليهم تبعا لجرائمهم الموصوفة.
فالقضاء سلطة دستورية بموجب المادة (20) من الدستور كما بموجب القوانين الناظمة لعمله وبالتالي لا نرى مجالا لاي تلكؤ او تقاعس او تقصير من قبل القضاء في القيام بدوره على اكمل وجه حفاظا على سلطة القانون ودولة القانون والمؤسسات وردعا لكل من تسوله نفسه ضرب الاستقرار وتهديد مصالح وحقوق المواطن وزرع القلاقل بين عناصر الامة – دون مهادنة ولا امهال ولا مساومة…
من هنا نعتبر ان ايماننا بالدولة على عظمته ورسوخه، نحن جمهور ثورة الارز، لا يكفي لوحده لاشعارنا فعليا بالامان ما لم تكن الدولة قادرة فعليا على القيام بواجباتها بل لا بد من حزم للامور واتخاذ المبادرات وفرض الامن والاستقرار. فحادثة الاوزاعي الفضائحية بالنسبة للدولة اللبنانية تجاه المجتمع الدولي كانت الفخ المنصوب للدولة ومؤسساتها الامنية والعسكرية حيث شاهد الرأي العام الدولي فصل من فصول الاستيلاء غير المشروع على سلطة الارض وسيادة الدولة ومصداقيتها في الوفاء بالتزاماتها وفي طليعتها حماية المحققين الدوليين وتسهيل عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وهذا ما الحق وسيلحق الاضرار بمكانة وسمعة هذه الدولة ويؤثر على علاقاتها الخارجية مع المجتمع الدولي …
فـ"حزب الله" لا يهمه من المجتمع الدولي الا ايران وسوريا… لكن القسم الاخر من اللبنانيين يهمهم حفاظ دولة لبنان على مصداقيته الدولية وعلى احترامه للعهود والمواثيق… وبخاصة على اثباته قدرته الفعلية في حفظ امنه واستقراره من دون الحاجة لتكليف الاخرين به. فرهاننا على الدولة وقواها الذاتية لحماية الشعب والنظام نرجوها حقيقة واقعة لتبقى الجمهورية، ويبقى الانصهار الوطني والعيش المشترك والسلم الاهلي: فهل الدولة جاهزة فعلا ؟
ان الايام المقبلة كفيلة باثبات فعالية الدولة وقواها الشرعية في حفظ لبنان من اي خضات امنية … فالدولة اللبنانية باجهزتها ومؤسساتها امام التحدي الكبير … وعلى محك التجارب، فهل ينجح رهاننا على الدولة اللبنانية وقواها ام نقع في محظور الاستباحة الكاملة لوجود الدولة وامن الدولة وهيبة المؤسسات الشرعية؟!
