لماذا الإفراط في التفاؤل؟
من حق الشعب اللبناني أن يتنفس الصعداء، ومن حقه أن تعود إليه يومياته الطبيعية، ومن حق المكلّف أن يتمتع بأبسط مستلزمات حياته كأي مواطن يعيش على هذه الكرة الأرضية.
الدوحة، هذه العاصمة التي نام عليها اللبنانيون واستيقظوا على اسم أميرها، باتت كالترياق للمريض، وكوب ماء لعطشان، ولعل ما مر على اللبنانيين من ويلات وحروب وقتل وتدمير وآخرها جريمة العصر غزو بيروت واحتلالها من قبل ميليشيات معروفة الهوية بالاسم والشكل والمضمون والعنوان، حوّلت اللبنانيين من شعب يهوى حياة الترف صعب المراس لا يعجبه العجب يجيد لغة الاختيار الى شعب يقبل بأهون الشرور ويرضى بأقل من البديهيات، المهم أن يُرفع عنه سوط الكلاشينكوف والقنابل اليدوية وإرهاب راكبي الدراجات النارية الصغيرة الحجم والتي بواسطتها تم الغزو الأول لبيروت، إنها فعلاً لعبة قضم الحقوق وهضم حرية التطلع عند اللبناني. الكل فرح طبعاً لكون سدة الرئاسة عادت الى وضعها الطبيعي، والكل تطلّع الى خطاب الرئيس سليمان بالتفاؤل والأمل بمستقبل يترجم ما جاء في خطاب القسم، ولكن لم تكد تمضي ساعات حتى أطل الحاكم بأمر الله لينسف الخطاب الرئاسي، وليضع نفسه في مقدمة من يقررون مصير اللبنانيين، وطريقة عيشهم وظروف خياراتهم، واللبنانيين كانوا بأشد الاستغناء عن هكذا احتفال عن هكذا خطاب أقل نتائجه 16 جريحا برصاص ما عاد يتجه الى إسرائيل، فحتى الرصاصة باتت ترفض وجهتها الإسرائيلية لتعلن جهاراً الى مطلقها بأنها ترغب بشدة أن تدخل صدر لبناني، أي لبناني، المهم أن تصيب أحد رافضي لغة الحروب وتحويل لبنان الى مرتع للفوضى المسلحة.
حتى الفرحة باتت ناقصة، حتى مدة فرح اللبنانيين صارت محددة من قوى الأمر الواقع، وكأنه مكتوب علينا أن نأخذ الإذن متى رغبنا بالابتهاج، وبالفعل إذا ما حسبنا ساعات الفرح منذ انتخاب الرئيس سليمان حتى خطاب الضاحية لتأكدنا من أن أيامنا الحلوة باتت تُعدّ باللحظات.
في كل مرة يتعرّض اللبنانيون الى اعتداءات، ويعقبها حلول وإن كانت تخديرية موقتة، ينبري أهل الحل والربط عندنا ليقولوا للبنانيين وللمتضررين ولأهل الشهداء والمصابين، يجب أن نفتح صفحة جديدة، وعفا الله عما مضى، أي على طريقة تبويس اللحى واللي صار صار…
من المنطق أن من يعتدي على الآخرين، ويُضرّ بهم ويلحق بهم الأذى، حتى وإن تمت المصالحة، على الأقل يقدم اعتذاراً على ما ارتكبه، هذا من أبسط البديهيات لكي يشعر المتضرر على الأقل أن أحداً ما مسؤول عما جرى، وأن الاعتذار يأتي بمثابة وعد بعدم تكرار ما حصل، ولكن الملفت أن كل ما جرى، بات في عالم الغيب والنسيان، فلا في أروقة الشيراتون ـ دوحة ولا في احتفال الضاحية، كلمة اعتذار من اللبنانيين الذين لا شأن لهم ولا علاقة تربطهم بالجنون الذي ساد بيروت. والأبشع أنه عندما كانت أي مؤسسة إعلامية تتعرض لقرار قضائي مثلاً وهذا أمر قانوني دستوري شرعي، كنّا نسمع كل وسائل الإعلام تشجب وتستنكر، حتى إنني أذكر أن بعض وسائل الإعلام كانت تقفل وتحتجب عن الصدور لأيام تسجيلاً لموقف شاجب، أما بالأمس القريب وما تعرّضت له بعض وسائل الإعلام من ضروب فيها الكثير من التعدي والتحدي، فيها الكثير من الترهيب والتدمير، ولكن عبثاً، كأن شيئاً لم يحصل، وهكذا بسحر ساحر، وبكل بساطة يعود ذاك الإصبع الذي يعلو عند كل خطاب ليذكّرنا بواقعنا، وليذكرنا بأن الأمر لهم طالما أن الغلبة لهم.
وبالسؤال: هل نفرح؟ الجواب: لا أدري؟
بالسؤال: هل نطمئن؟ الجواب: ما هي الضمانة؟
صحيح أننا حققنا إنجازين على الأقل في الدوحة، هما انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، والتزام بعدم استعمال السلاح في الداخل اللبناني في الصراعات السياسية الدائرة، ولكن من يضمن التعهد بالشق الثاني؟ من المفترض وبعد أن تقوم المؤسسات بدورها، وتستعيد الدولة هيبتها عبر كل الأجهزة القضائية والعسكرية والأمنية والإدارية أن تكون هذه المؤسسات هي الضامن الوحيد لترجمة عملية وفعلية تؤدي الى مزيد من ترسيخ دور المؤسسات، وتفعيل أجهزة المحاسبة والمراقبة. وهنا على سبيل المثال لا الحصر، مجرد سؤال بسيط وبديهي: هل تحرّكت النيابات العامة في كل لبنان جراء الأحداث الأخيرة؟
هل سيُلقى القبض مثلاً على مُطلقي الرصاص ابتهاجاً ليس فقط بمهرجان الضاحية بل على خلفية كل المهرجانات؟ من هنا تبدأ النوايا، ومن هنا تنطلق أول استنابة جدية باتجاه تأسيس أو ترميم مؤسسات الدولة، ليس المطلوب التحدي والقمع والضغط، ولكن أقل المطلوب أن يشعر المكلف اللبناني أنه محمي، وأن أرضه وعرضه ومنزله ومكان عمله بمنأى عن أي اعتداء..
أقل المطلوب أن لا "يتدرأ" (بالعلم العسكري أي يختبئ) المواطن كلما أطل أحدهم ليُلقي خطاباً، أقل المطلوب أن يسأل أطفالنا لماذا هذا الرصاص والرعب…
حق اللبنانيين أن ينعموا بصيف هادئ، ولكن ليس من حق أحد أن ينقض علينا لعبارة أطلقها هذا المسؤول الأميركي أو غيره، وكأننا نحن من يحرّك الإدارة الأميركية.
لغة التهديد باتجاهنا مع رفع الإصبع باتت عادة تلازم من يحمل السلاح، إنها معادلة جديدة تفرض علينا بعد الدوحة، على الرغم من ترسيخ بدعة اللاغالب ولا مغلوب، إلا أننا في واقع الحال، أمام واقع بات مكرّسا بعد الدوحة، وهو لا غالب ولا مغلوب، ولكن في ظل غالب يحمل السلاح.
وبالعودة الى خطاب القسَم لا بد من التأشير بأنه مُصاغ بشكل موزون، وعناوينه العريضة تُنبئ بمسعى جدّي لوضع الدولة على سكة الاستقرار، ونحن متأكدون من نوايا الرئيس وتطلعاته لبناء دولة قادرة على بسط سلطتها على الـ10452 كلم2، ويبقى أن ننتظر وأن ننظر الى الآخرين الذين يعرقلون قيام الدولة، وإلى سلوكياتهم من الآن فصاعداً، كلام الضاحية بالأمس ليس بالمؤشر الإيجابي، ننتظر لعل حزب ولاية الفقيه الذي أعلن عنه لأول مرة، يعود الى اللبننة ونحن بانتظاره.