#adsense

الإصلاح يمرّ بصندوق النقد الدولي

حجم الخط

كتبت إيفون أنور صعيبي في “المسيرة” – العدد 1703

الإصلاح يمرّ بصندوق النقد الدولي

• 25 مليار دولار

• إصلاح النظام المصرفي

• إعادة هيكلة الدين العام

 

لا تعرف الدولة ومعها سلطاتها النقدية والمالية قواعد النجاح. ومع ذلك، فهي ناجحة بتجسيد أبرز قواعد الفشل والمرتكزة على محاولة إرضاء «الجميع». ليس المقصود بالجميع هنا أكثرية من شعب جائع بل أقلّيّة راكمت ثرواتها متسلّحة بالريع غير الشرعي تارة، والإستفادة من الممارسات المندرجة في نطاق الفساد والضرائب العشوائية طوراً.

مع نهاية الحرب الأهليّة، كانت مديونية الدولة متواضعة بحيث لم تكن تتعدى 1,5 مليار دولار وكانت بالليرة اللبنانية. لم تدم فترة إنحسار الدين العام طويلاً، وحصل ذلك عندما بدأت آفة الريوع غير الشرعية تتفشّى من خلال تحديد سعر الصرف وأيضا تحديد أسعار مرتفعة على سندات الخزينة بالليرة ناهزت ال40 في المئة عام 1995 في وقت تراوحت فيه الفوائد على الدولار بين 5 و7 في المئة.

 

بين 1992 و2020

قبل الحديث عن فترة الريع التي أوصلت الى «مصيبة» اليوم، لا بد من المقارنة بين أزمة 1992 والأزمة الحالية. يوضح مصدر متابع أنّ عام 1992، كانت الأزمة أزمة سعر صرف فقط، أي أن سعر الدولار إرتفع إلى مستوى قياسي، إلا أن ودائع المصارف بالعملات الأجنبية بقيت بحوزة المصارف. ولم تكن الدولة مدينة للبنوك التجارية إلا بالليرة اللبنانية. أما اليوم فهناك بالإضافة إلى تراجع سعر الصرف مشكلة أكبر وهي نضوب السيولة المصرفية بالعملات الأجنبية.

آنذاك، لم يكن مصرف لبنان مدينا للمصارف ولو بدولار واحد، أما اليوم فإن المصارف دائنة للدولة ومصرف لبنان معا (بالدولار فقط) بما يوازي 85 و90 مليار دولار. ولم يبق من ذلك إلا 30 مليار دولار فقط لدى المصرف المركزي.

بحسب المصدر أدّى إنخفاض سعر الليرة عام  1992 إلى مشكلة إجتماعية، لكن الأزمة اليوم شاملة وتهدّد الاقتصاد اللبناني بأسره، كما أنها تهدد المجتمع ككلّ. ويعود سبب إنخفاض سعر الدولار إلى 1500 ليرة بعد ارتفاعه عام 1992 وبلوغه حدود الـ3000 الى الإنعكاسات النفسية على المتعاملين نتيجة وصول رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة. فقد كانت الأسواق ترى فيه صاحب مشروع اقتصادي كبير يتمتع بإمكانيات واسعة الأفق. يُضاف إلى ذلك أن مجيء الحريري في ذلك الوقت، شجّع الكثير من المتموّلين لا سيما الخليجيين منهم على تحويل رؤوس أموال إلى لبنان للإستثمار، والإستفادة من النهضة المنتظرة، فأدّى ذلك إلى طلب كثيف على الليرة وعرضا موازيا للدولار.

لكنّ الخطأ في السياسة النقدية بدأ مع تحديد سعر الصرف وضبطه لفترة طويلة، وأيضا  تحديد أسعار مرتفعة على سندات الخزينة بالليرة. فكان المتموّلون ومن دون أي جهد إنتاجي يقترضون الدولارات بفوائد متدنية ليعيدوا توظيفها في سندات الخزينة مقابل نسب فوائد مرتفعة، ما سمح لأقلّية متموّلين وأصحاب مصارف وسياسيين تكوين ثروات هائلة، بتشجيع من مصرف لبنان الذي بلغت حصّته في تشرين الأوّل الماضي، على سبيل المثال، من الدين العام بالليرة اللبنانية 55 في المئة من مجموع هذا الدين، تُضاف إلى ذلك محفظته في سندات الدين بالعملات الأجنبية (اليوروبوندز) التي تبلغ 12 في المئة من إجمالي السندات.

هكذا اذاً استقر الفقه الاقتصادي على اعتبار تمويل الدين العام من خلال قروض المصرف المركزي كمصدر للتضخّم، الأمر الذي أوصل حكماً إلى ضعف القوّة الشرائية للعملة الوطنية.

لطالما شكّلت مسألة تثبيت سعر الصرف مشكلة عميقة بين صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان. ولو سلّمنا جدلاً أن لتثبيت سعر الصرف مبررات خلال التسعينات لاستقطاب الودائع الى لبنان وتوظيفها بسندات الخزينة، لكن هذه الحجج ما لبثت أن سقطت عندما بدأت هذه السياسة تهدّد النظامين المالي والاقتصادي، خصوصا في الأعوام الـ10 الأخيرة. ففي العادة، يكون تثبيت سعر الصرف لفترة قصيرة وليس تالياً حلاً مستداماً لا سيما وأن له تداعيات خطيرة على «المدّخرات» في اقتصاد مدولر بنسبة 70 في المئة كاقتصادنا.

 

عودة الثقة الى القطاع المصرفي… غير منظورة

لا يمكن التكهّن بالفترة التي ستستغرقها الأوضاع الإستثنائية الراهنة في المصارف اللبنانية، قبل معرفة ماهيّة الخطّة التي ستعتمدها السلطات السياسية والنقدية لمعالجة المشكلة.

فالأزمات المصرفية لا تشبه «الرشح» أو «الانفلوانزا» اللذين ينتهيان بعد فترة زمنية معيّنة، حتى لو لم يتناول المريض أي علاج، بل على العكس تماماً، لن يتمكّن القطاع المصرفي من الشفاء من دون  الإصلاحات اللازمة التي تعالج جذور المشكلة المصرفية في البلاد.

وأصل المشكلة الراهنة هو فقدان السيولة بالدولار لدى المصارف، لأن 55 في المئة من موجودات المصارف موظّفة لدى مصرف لبنان الذي استعمل معظم هذه السيولة في تلبية الطلب التجاري على الدولار الأميركي وتحويل رؤوس الأموال إلى الخارج عندما ضعفت ثقة المتمولين بالإدارة السياسية والمالية في البلاد. وهنا لا بدّ من التطرق الى تواصل عجز ميزان المدفوعات اللبناني منذ العام 2011 من دون إنقطاع. الى ذلك، كان يتمّ تمويل هذا العجز من الموجودات الخارجية لمصرف لبنان، أي فعليا من ودائع المصارف.

«لاستعادة ثقة زبائنها، سيتوجّب على المصارف العودة إلى خدمة زبائنها بالطرق التقليدية ورجوعها عن «الكابيتال كونترول»، وهذه المسألة مرهونة بتغذية الموجودات النقدية الخارجية لمصرف لبنان لتعويض الفجوة الكبيرة بالعملات الأجنبية بين مطلوبات المصرف وموجوداته. وهذا أمر ليس يسيرا وهو مرهون بعودة الثقة لدى المودعين، وخصوصا غير المقيمين منهم، واقتناعهم بأن الظروف السياسية أصبحت مستقرّة، وأن لدى الدولة مشروعا ذا مصداقية لإصلاح المالية العامّة، بما يقنعهم بتحويل الأموال من جديد إلى لبنان»، يوضح مصدر مصرفي متخصص.

ويُجمع الخبراء الى أن هذا التطوّر يحتاج إلى فترة تراوح بين 3 و5 سنوات هذا إذا بدأت المسيرة الإصلاحية الآن، فالإصلاح المطلوب عملية معقّدة ومتشابكة وتحتاج إلى إرادة حازمة من السلطات السياسية والنقدية، وتوافق وطني ودعم من الرأي العام.

ويضيف المصرفي المتخصص أنّ «70 في المئة من أصول البنوك اللبنانية مستثمرة في الديون السيادية وأوراق البنك المركزي. لذا وتوازياً مع الحديث عن إعادة هيكلة الدين العام من الضروري البدء بإجراء إصلاح واسع النطاق للنظام المصرفي، بما في ذلك إعادة رسملته بما لا يقلّ عن 25 مليار دولار، بالإضافة الى اعتماد سياسة دمج المصارف بغية  تقليص حجم هذا القطاع، وإلا فإنّ عودة الثقة الى هذا القطاع ستبقى كلاماً فارغاً».

لا تبشّر التوقعات بالخير، حيث سيتدنّى الناتج القومي خلال هذه السنة الجاري بحدود الـ 10 في المئة، بما معناه أن نسب البطالة سترتفع أكثر ومعها الإفلاسات ونسب الفقر. وبحسب تقرير البنك الدولي، فإنّ 250 ألف لبناني باتوا تحت خطّ الفقر المعيشي أي الغذاء، كما أصبح هناك مليون و500 ألف لبناني تحت خط الفقر العادي أي أنهم يعيشون بأقل من 5 دولارات في اليوم.

 

تداعيات كارثيّة… وستزداد

يوضح الخبير المالي وليد أبو سليمان أنّ «الإنهيار الاقتصادي رتّب تداعيات خطيرة بدأت مع تضخم هستيري قد تصل نسبته الى ثلاثة أرقام أي 100 في المئة وما فوق، وترافق مع إرتفاع جنوني في الأسعار، وهبوط سعر صرف الليرة اللبنانية تجاه الدولار الأميركي إلى مستويات من المرجّح أن تتجاوز الأسعار المتداول بها حاليا في السوق غير الرسمية. وهذه التداعيات لن تنتهي حتى عند حدود إفلاس عدد كبير من المؤسّسات الخاصة واستغنائها عن موظّفيها بما يرفع نسبة البطالة الى مستويات مخيفة. هذا ولجأت مؤسّسات أخرى إلى تخفيض الرواتب. وستشهد المرحلة المقبلة إذا استمر الوضع على ما هو عليه، تفاقم العجز عن إستيراد «ضروريات» الحياة ناهيك عن توقّف الصناعة بعد التجارة.

ويضيف أبو سليمان أنّ «الإنهيار الاقتصادي الذي نشأ أساسا من عجوزات الموازنة سيؤدي إلى مزيد من العجز، لأن الخزينة ستفقد نسبة كبيرة من إيراداتها بسب تراجع المداخيل، وهو ما سيقود إلى تراجع الضرائب على الدخل والأرباح، وايضاً تراجع الاستهلاك وتراجع الرسوم الجمركية والــ TVA».

 

احتياطي المركزي… يتآكل

بدوره الكلام عن إحتياطي مصرف لبنان لا يبشر بالخير. ويبلغ رصيد هذا الإحتياطي (النقدي) الآن حوالي 30 مليار دولار أميركي مودعة في مصارف أجنبية (بحسب أرقام البنك المركزي). تعهّد مصرف لبنان تسديد مدفوعات كبيرة خلال العامين 2020 و2021 وهي، حتى الآن:

–     تمويل إستيراد النفط والأدوية والقمح، ولواحق مستجدّة مثل المعدّات الطبية وما قد يضاف إلى ذلك نتيجة الطلبات.

–     تسديد ديون الدولة التي ستستحق خلال هذين العامين.

وتقدّر مستحقّات اليوروبوندز بمبلغ 4.5 مليار دولار (2020-2021) ومع الفوائد تصبح 8.8 مليار دولار.

إستنادا إلى ذلك وإذا لبّى مصرف لبنان كل الطلب على العملات من احتياطاته، يُتوقع إستنزاف كل موجوداته النقدية بحلول نهاية الـ2021.

من هذا المنطلق، تبدو الحلول من خارج فضاء إعادة هيكلة الديون السيادية أمرا مستحيلا. لهذه الأسباب لا بدّ وبالتوازي مع إعادة جدولة الديون السيادية، من إعادة هيكلة القطاع المصرفي بمعنى إعادة رسملته. ويتوقع الاقتصاديون ان اعادة رسملة بحوالى 20-25 مليار دولار خلال الاعوام المقبلة شرط أن يترافق ذلك مع تخفيض قيمة الدين ستكون كافية شرط أن تقترن بخطة إصلاحيّة شاملة للاقتصاد، وهذا ما سيتطلّب برنامجاً من صندوق النقد الدولي بالاضافة إلى مساعدات خارجية بقيمة لا تقلّ عن 25 مليار دولار.

وفي وقت سابق، طلب حاكم مصرف لبنان رياض سلامه من المساهمين ضخّ المزيد من السيولة بنسبة تصل إلى 20 في المئة من رأسمال المصارف الحالي. من شأن هذا الإجراء، في حال تحقيقه، رفْع رؤوس أموال المصارف اللبنانية بقيمة تقارب 4 مليارات دولار. وعلى رغم أن هذه النسبة غير كافية نظرا لهشاشة الوضع، إلا أنه وبحسب عدد من المتابعين، فإن هذه الخطوة ستساهم في إفلاس عدد من المصارف التجارية التي لن تتمكن من رفْع رأسمالها في ظل الأوضاع الراهنة.

مع كلّ هذه المعمعة، يبقى السؤال عما إذا كانت الحكومة الجديدة ستتحلى بالشجاعة السياسية لإجراء إصلاحات عميقة وغير شعبوية، وان كانت على إستعداد للإنتحار السياسي على حساب الإنقاذ الشعبي. أمام الحكومة الجديدة إستحقاق يتمثل أولاً بالتصدي فورًا للأزمات الاقتصادية والمصرفية والمالية المترابطة فيما بينها بسبب سلسلة من الأخطاء في السياسة العامة والتقاعس عن العمل بما في ذلك الإغلاق الناجم عن الذعر في المصارف، وتقييد حركة رأس المال غير الرسمية، ووضع القيود على المدفوعات المحلية والخارجية.

وعليه، تحتاج الحكومة إلى تطوير وتنفيذ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تهدف إلى استعادة الثقة في الحكومة كما ومؤسساتها، لا سيما من خلال استراتيجية مكافحة الفساد وبرنامج إسترداد الأصول المنهوبة، ومعالجة الأزمة المالية والمصرفية والنقدية. وفي هذا الإطار، «لا مفرّ من برنامج إنعاش اقتصادي وإصلاح جذري ويجب إعداده والاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي»، يقول الاقتصادي سامي نادر.

يحتاج لبنان إلى رزمة تمويلية متعددة الأطراف تراوح بين 20 و 25 مليار دولار لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ودعم ميزان المدفوعات. عام 2018 ، حصل لبنان على وعد بمدِّه بأكثر من 11 مليار دولار على شكل قروض ميسرة في مؤتمر «سيدر»، إلا أن ذلك الدعم كان مشروطا بالبدء بإصلاحات فورية وشاملة.

أما موازنة العام 2020 الجاري، ولكي تتّسم بالجدّيّة، فعليها تحقيق فائض في ميزانها بما لا يقل عن 5 في المئة على مدار العامين المقبلين من خلال ترشيد الإنفاق وتحسين الإيرادات. وسيشمل ذلك من دون شكّ إلغاء الدعم عن الكهرباء وصفيحة البنزين، وهما مصدر إستنزاف رئيسي لأرقام الموازنة. وسيتوجّب أيضاً إعادة النظر في رواتب القطاع العام.

تتطلب الإستدامة المالية في الأجلين المتوسط والطويل فرض قيود دائمة على السياسة المالية من خلال قاعدتين ماليتين: قاعدة ميزان الموازنة (على ألا يتجاوز عجز الموازنة 2  في المئة من الناتج المحلي الإجمالي) وقاعدة الديون (التي لا ينبغي على فوائدها أن تتجاوز نسبة معيّنة من الناتج المحلي الإجمالي).

بالنظر إلى استحقاق سندات اليوروبوندز في آذار المقبل، فإن نقطة الألم الأولية الأخرى هي بدء المفاوضات بشأن إعادة هيكلة وإعادة تصنيف الدين العام في لبنان، بما في ذلك ديون البنك المركزي.  يجب على الحكومة الجديدة أن تبدأ على الفور مفاوضات إعادة هيكلة الديون ضمن برنامج إستقرار اقتصادي شامل. ومن شأن ذلك أن يقلل من صافي القيمة الحالية للديون بنحو 50 في المئة، مما يقلل بشكل كبير من عبء الديون وخدمتها.

يبقى الأهم وهو الإعتراف بفشل النظام المتعاقب على الحكم، والإعتراف بسعر السوق المتوازي الذي تم تخفيضه بحكم الواقع. على الحكومة التي قيل إنها انقاذية الإختيار ما بين طريق يؤدي إلى إستقرار الاقتصاد والإنتعاش التدريجي على مدى فترة إنتقالية تراوح بين 3 الى 5 سنوات، أو تجنُّب الإصلاحات الضرورية، والتأكيد على حقيقة فشل لبنان بالمعنى السيادي الذي يزخر به كدولة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل