#adsense

الدولة المدنية في لبنان ضرورية وممكنة

حجم الخط

قد يبدو الحديث عن «دولة مدنيّة» في لبنان نوعاً من الترف. فكيف نستطيع مثل هذا الكلام ونحن لا نزال في قلب المعارك الطائفيّة والمذهبيّة، سياسية كانت أم حربيّة؟

لا بل أزيد على ذلك، كيف نستطيع الكلام على الدولة المدنية، والتعصُّب الديني والمذهبي والعنف الناتج منه يتزايد في المنطقة، من مصر حتى العراق مروراً طبعاً بلبنان، والأحزاب ذات العقائد الأصولية تتنظّم وتظهر إلى العلن أكثر وأكثر، وكأن العالم الذاهب الى العلمنة والعولمة هو على كوكب، والشرق الأوسط والأدنى على كوكبٍ آخر.

إلا أن طبيعة الذات البشرية تفرض هذا التفكير في الدولة المدنية. والأبلغ في هذا المجال ما يقوله الدكتور محمد أركون: «إن التمزق الحاصل بين التيار العلماني والتيار الديني هو فكري وروحي وثقافي أولاً وقبل كل شيء. والصراعات السياسية التي اتخذت شكل الحرب الأهلية في ظل الثورة الفرنسية على وجه الخصوص، ليست إلا نتيجة لهذا الجرح الذي لا يزال مفتوحاً أو نازفاً حتى الآن. إنه لا يزال مفتوحاً على مستوى ما سأدعوه الذات البشرية، بصفتها شخصاً راغباً في حرية الضمير والازدهار الروحاني من جهة، ثم بصفتها فرداً مواطناً خاضعاً للقانون العام الذي يمتلك المشروعية الكاملة وينطبق على الجميع من جهة أخرى. وبالتالي فإن الإنسان هو ذات روحانية من جهة، ومواطن مدني من جهة أخرى».

لماذا الدولة المدنية مهمة؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ الدولة المدنيّة، بخلاف الدولة الدينيّة، نجحت في إطلاق «الطاقة الخلاّقة» لدى مواطنيها. أيضاً علينا أن نسعى، نحن اللبنانيّين، إلى بناء مصيرنا، وهو في كلّ حال مصير مشترك، ولكلٍّ منا حجرٌ عليه أن يوقّعه في مكانه المناسب، ليقوم بناء هذا الوطن. ولعلَّ الأبلغ في هذا المجال هو الذي قاله Luther King: «يجب أن نتعلم أن نعيش معاً كالأخوة، لئلا نموت معاً كالبلهاء».

فما هي وسائل جعل المجتمع اللبناني أكثر مدنية؟

أوّلاً: ملاحظات افتتاحيّة

1. مصطلحات ومفاهيم
أ. مفهوم الدولة: قال أرسطو: «الدولة هي مجموعة مواطنين أحرار، وليست مجموعة مؤمنين».
لقد اخترت هذا التحديد للدولة لأنه، في اعتقادي، يعبّر عن المفهوم الملتبس للدولة، الذي تعانيه الدول العربيّة جميعها، ومنها لبنان.

ب. مفهوم الدولة العلمانيّة: الدولة العلمانيّة هي الدولة القائمة على حقوق الإنسان، بغض النظر عن دينه أو عرقه، أو مستواه الاجتماعيّ… وحيث مصدر السلطة هو الشعب وليس الله.

ج. نوعا الدولة العلمانيّة: الدولة العلمانية نوعان، يحدّدهما الموقف من الدين:

النوع الأول: الدولة العلمانية المعارضة للدين.
النوع الثاني: (وهو في نظرنا الدولة المدنيّة). هي الدولة العلمانية التي لا تعارض وتحاول أن لا تتعارض مع الدين، لا بل ترعاه من حيث مبادئها وفلسفتها، ومن حيث حمايتها حرية الضمير وحرية العبادة.

2. «المخاطر»
أن تكون المطالبة بالعلمانيّة، في مجتمع تعدّديّ كلبنان، غطاءً للديموقراطيّة العدديّة القائمة على أساس طائفيّ، وأن تُستخدَم أداة لقهر الأقليّات.

3. نماذج من الدول «المدنيّة»
الدولة المدنية يمكن أن تكون أيضاً أحادية الأمة والدين كفرنسا وتركيا وتكون عادة متحفظة على الدين، ويمكن أن تكون مركبة كسويسرا وبلجيكا والولايات المتحدة وألمانيا وتكون عادة، إيجابية مع الأديان.

ومن الملاحظ أن هذين النموذجين هما قيد المراجعة اليوم. فالتجربة الفرنسيّة تحاول أن تتساهل مع الدين. من هنا كلام الرئيس ساركوزيّ على «العلمانيّة الإيجابيّة». والمقصود العلمانيّة التي لا تتّخذ موقفاً سلبيّاً من الدين.

أمّا التجربة العلمانية الإيجابية مع الدين كسويسرا وأميركا وألمانيا، فتذهب في اتجاه معاكس يضع حدودا للأقلّيات فيها، ويطلب منها ألاّ تتخطّى قيمُ الأقليّات وتقاليدها.

4. تساؤلات: أسأل نفسي وأنا أفكر بالموضوع أربعة أسئلة مهمة:
أ. هل الدولة المدنيّة تحلّ مشاكل لبنان التي نضعها تحت خانة الطائفية السياسية؟

ب. هل تتماشى مع الحكم المركزيّ أو اللامركزيّ؟

ج. كيف طبقت الدولة المدنية عند غيرنا، بالقوة أو بالتراضي؟

د. هل ممكن تطبيق الدولة المدنية في المجتمع العربي والإسلامي قريباً؟

تقودنا التساؤلات السابقة إلى بعض الاستنتاجات التي ننطلق منها لاستكمال بحث موضوع الدولة المدنيّة:

أ. الدولة المدنية وحدها لا تحل مشاكل البلد المُركَّب، وبلجيكا اليوم ويوغوسلافيا أمس أفضل الأمثال، أي أن ليس لها أي وقع بمفردها. هي عنصر مساعد.

ب. ليس للدولة المدنيّة علاقة بنظام الحكم المُعتمَد أو بهيكليّته. فقد يكون النظام مركزيّاً، أو لامركزيّاً، أو فدراليّاً.

ج. تطبيق الدولة المدنيّة حصل بطريقتين: الأولى باستخدام القوّة، كما في البلدان المتجانسة، ذات القوميّة الواحدة (فرنسا وتركيا)، والثانية بالتراضي، كما في البلدان الأنغلوسكسونيّة ذات الجذور البروتستانتيّة أو في البلدان المُركَّبة، ولكن أيضاً بعد حروب طويلة ومُضنية، حتّى جاءت الدولة المدنيّة لتنقذ المجتمع مما يتخبّط فيه.

د. إنّ الكلام على العلمنة يشكّل أحد المحظورات في هذا الشرق الرازح تحت تأثيرين: التأثير الدينيّ، والقوميّة العربيّة التي لا تزال حلماً لم يتحقّق. وهذا يقتضي أن نتطرّق في كلامنا على العلمنة إلى موضوعين: الإسلام والعلمنة، والقوميّة العربيّة والعلمنة.

1. الإسلام والعلمنة
أ. في تحليل المسألة من ناحية تطبيقيّة، لا يبدو أنّ هناك تعارضاً بين الإسلام والدولة المدنية، كما لا تعارض بين المسيحيّة والعلمنة، خصوصاً عندما نتحدّث عن «العلمنة الإيجابيّة»، التي لا تتّخذ موقفاً معادياً من الدين. فهناك تجربتان إسلاميّتان، على الأقل، استطاعتا أن تفصلا الدين عن الدولة، هما التجربة التركيّة والتجربة الاندونيسيّة، حيث السلطة سلطة القانون، كما هي الحال في فرنسا.

ب. الإسلام في أوروبا متداخل مع العلمنة، إذ لا يستطيع المسلم الأوروبيّ إلا أن يتقبّل العلمانيّة السائدة. وهذا سوف يفتح باب الاجتهاد الشرعي لتعايش الدين الإسلامي مع العلمنة الأوروبية، لأن الدين الإسلامي عملي جداً.

ج. هناك تطور فكري مهم في العراق (السيستاني) للقبول بدولة «لا دينية» ولكن لا تتعارض مع منطلقات الدين. (مقال الأستاذ جهاد الزين، جريدة « النهار»، تاريخ 18-06-2010).

2. القوميّة العربيّة والعلمنة
أ. لعلّ التجربة الوحيدة في هذا الإطار هي التجربة البعثيّة. فلقد حاول الحكم البعثيّ في العراق، قبل الاحتلال الأميركيّ، بناء دولة علمانيّة. ولا يزال البعث السوريّ يحاول إقامة نوع من أنواع الدولة المدنيّة، وإنْ بطريقة خفيّة.

ثانيًا: أين نحن في لبنان؟
أ. يعيش لبنان ازدواجيّة في تجربته التاريخيّة، فهو من جهة، كأفغانستان، ليس أمّة واحدة، ولا يقوم على تعاقد متين وتاريخه عنفي.

وهو من جهة ثانية نجح في الاتجاه نحو مسار تعاقديّ حديث، يتمثّل في اتفاقَي الطائف والدوحة. ونجح أيضاً في توضيح بعض القيم المشتركة.

ب. «الدولة المدنيّة» معتمدة في لبنان بنسبة كبيرة، مع بعض «الضوابط» الطائفيّة: في التمثيل السياسيّ والإداري نجد مراعاة للمسيحيّين. وهناك مراعاة طائفيّة للدين الأسلاميّ في موضوع الأحوال الشخصيّة. والسؤال الذي يُطرَح في هذا المجال، هو: هل هناك مصلحة للتخلّص من هذه الضوابط؟ ومتى يكون ذلك؟

لا بد من مرتكزات وخارطة طريق للتقدم على هذا الطريق… لأن فرض الدولة المدنية بالقوة في لبنان مستحيل.

ثالثاً: مرتكزات لتحقيق الدولة المدنية في لبنان

1) الركيزة الأولى: الآلة التنفيذيّة الفعّالة والموثوق بها
الأمر لا يتعلّق بنوع الدولة المدنيّة. فلا فرق بين أن تكون مفروضة بالقوّة كما في الدول المتجانسة (فرنسا وتركيا)، أو أن تكون تعاقديّة كما هي الحال في سويسرا. إلاّ أنّها احتاجت كلها دائماً إلى قوّة مركزيّة لتطبيقها. المسألة إذًا هي في قيام دولة أو إدارة مركزيّة محايدة وكفية تكنوقراطيّة تقنيّة، يحترمها المواطنون، وتحافظ هي على المثل العليا التي يؤمن بها هؤلاء. والعلمنة التركية مستحيلة لولا مؤسسة الجيش التي يحترمها الشعب التركي.

2) الركيزة الثانية: حريّة الضمير
المواطن حرّ في أن يكون متديّناً أو لا يكون، وحرّ في أن يعتنق الدين الذي يريد، وأن ينتقل من دين إلى آخر. فالدولة العلمانيّة في أوروبا وأميركا ضمنت حرّيات الأقليّات في شكل كامل وهي في هذا الإطار أفضل نظريّات الحكم التي عرفها تاريخ البشريّة. وها نحن اليوم نرى كيف أن الرئيس أوباما يدافع عن المركز الإسلامي في نيويورك، باسم الدستور الأميركي.

3) الركيزة الثالثة: تظهير متطلبات الهويّة اللبنانيّة المركّبة واحترامها

أ. هويّة قيَميّة داخلية: تنبع القيم اللبنانيّة من تجربة العيش المشترك ورسالة لبنان.

ب. هويّة عروبية ثقافيّة: لبنان دولة عربيّة، وله دور نهضويّ في الكيان العربيّ الجامع. والعروبة القائمة اليوم فرّقت العرب، لأنها اقتُصِرت على عروبة سياسيّة وضعت الدول العربيّة في محاور، ولم تُفِد الجماهير العربيّة. العروبة الحقيقيّة هي العروبة الحديثة والمُحدِّثة، أي التي تواكب الحداثة العالميّة، والتي تسعى إلى تحديث نفسها وتحديث حياة مواطنيها. إنّ مثل هذه الحداثة يشكّل رافعة للدولة المدنيّة اللبنانيّة، ومثالاً جذّاباً لدول المنطقة.

ج. هويّة متوسّطيّة: هذه الهويّة تجسيد للجغرافية ولتاريخ لبنان الحضاري. نحن نتحدّث عن «هويّة متوسّطيّة تفرض نفسها داخل المحيط الإسلاميّ العربيّ» (René Habchi).

إن التوافق على هذه المرتكزات يسهل الانتقال الى الدولة المدنية…

رابعاً: خريطة طريق لدولة مدنيّة في لبنان

1) الجهد الفكريّ: ونقصد به توضيح مفهوم الدولة المدنيّة، ونشره بين الناس:

كثيراً ما يدور الحديث حول دور الثورة الفرنسيّة في تحقيق الديموقراطيّة والدولة العلمانية الحديثة. إلاّ أنّ الواقع هو أنّ الثورة كسرت فقط «العصر القديم» (L’Ancien régime). أما الدولة العلمانية، فهي نتيجة عصر «التنوير»Le siècle des lumières).

2) نشر القيم المشتركة وعيشها وصياغة عقد جماعي جديد

إذا كانت القيم المشتركة ضرورة لقيام الدولة المدنيّة، فإنّ البحث عنها وجعلها معروفة لدى الجميع ومتوافقاً عليها عمل لا بدّ منه. ثمّ إنّ قوننتها وجمعها في عقد جماعيّ جديد هما عمل مضنٍ وفي حاجة إلى مؤسّسات تقوم به. وربما أيضاً الحاجة الى استفتاء الشعب اللبناني عليها.

3) اقتناع اللبنانيّين بالدولة
من غير الممكن قيام دولة مدنيّة في لبنان ما لم يقتنع اللبنانيّون بأن لديهم دولة تستطيع تأمين حقوقهم. تماماً كما قال السيد حسن نصر الله في شأن سلاح المقاومة: أعطوني دولة قوية أثق بها، فأُسلِّمها سلاحي. وأنا أسمع المواطن اللبناني يقول: أعطوني دولة مدنية قوية وقادرة على حماية حقوقي، فأُسلِّمها انتمائي الطائفي.

4) هيكليّة جديدة للدولة: الدولة المدنيّة في حاجة إلى تعايش نظامين:
أ. الحكم المركزيّ بمفهومه الجديد أعلاه، والحكم المناطقيّ، مع ضرورة العلاقات الوثيقة بينهما. كلٌّ منهما يُغني الآخر، على غرار ما هو معمول به في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة.

ب. اللامركزية المُوسَّعة : فهي «لا تستبعد» الدولة العلمانيّة، بل على العكس، لأّنها تخلق إطاراً لتخفيف الصراع السياسي في الدولة المركزية، وحافزاً لإبعاد السياسيّين عن العمل الإداريّ داخل الدولة المركزية، مما يسهّل قيام الدولة المركزيّة الفاعلة والجذّابة. ولعل هذه اللامركزية أسرع وسيلة للوصول إلى الدولة المدنيّة.

5) قيام أحزاب سياسيّة ديموقراطيّة لا طائفيّة: لا
تتوجّه إلى جمهور بعينه، ولا تستمدّ قوّتها وعمقها الاجتماعيّ من انتمائها الطائفيّ. قد تنطلق من زعامة عائلة أو مؤسّس، ولكنها تستمر أيضاً معهما أو من دونهما. تقدّم مشاريع للناس، فيحاسبونها على تحقيق هذه المشاريع أو عدم تحقيقها.

خلاصة
الكلام على العلمنة في لبنان أو حتى الدولة المدنية صعب نظراً إلى الخلافات والاصطفافات السياسيّة الحادة، ونظراً إلى ضبابيّة المفاهيم المُتعلِّقة بالعلمنة، ونظراً إلى ضعف ثقافة الجمهور في هذا المفهوم، ونظراً إلى تصوُّر بعض رجال الدين والكثير من اللبنانيّين أنّ العلمنة معادية للدين.

تحقيق العلمنة في لبنان ليس سهلاً إذا استمرّت الطوائف، والأحزاب، والتيارات السياسيّة في سعيها إلى فرض رأيها على الآخرين، وإذا استمرت محاولات صهر مكوّنات الكيان اللبنانيّ في مكوّن واحد، وإذا استمرّ تجاهل التنوُّع، وما يستتبعه من تنوُّع في الثقافة، والعادات، والأهداف…

إلا أن «الدولة المدنية» أو «العلمنة الإيجابيّة» ضرورية وممكنة إذا استطعنا أن نبنيها على القيم المُوحَّدة، وأقمناها نظاماً تعاقديّاً غير مفروض. وإذا نحن بذلنا الجهد لنقنع الناس بأنها ليست ضدّ الدين، وبأنّها تستطيع، عندما تصبح دولة القانون قوية، أن تؤمن مصالح الأفراد والطوائف أكثر مما يفعله النظام الطائفيّ الراهن، وبأنّها تحافظ على خصوصيّات الأفراد والجماعات، وبأنّ المجموعات فيها متساوية لا تسيطر واحدة على غيرها (…).

لعلّنا نُحقِّق دور لبنان الطليعيّ في الدول العربيّة، فنكون أوّل المُتغلِّبين على صعوبة مجتمعنا المُركَّب، فنُحقِّق ما دعونا إليه في هذه المداخلة.

[ وزير سابق
[ نص مداخلة في ندوة نظمها المركز الماروني للتوثيق والأبحاث في جامعة الحكمة

المصدر:
السفير

خبر عاجل