#adsense

المسلمون والمسيحيون مدعوون إلى إقامة تحالف الاعتدال في وجه التطرف والإرهاب

حجم الخط

بعد أيام قليلة على اختتام السينودس الخاص من أجل الشرق الأوسط ارتكب العدو الإسرائيلي جريمة حرق لكنيسة تاريخية في القدس المحتلة، فيما كان تنظيم "القاعدة" في العراق يريق دماء 58 عراقياً ويجرح 78 آخرين معظمهم مصلون في كنيسة سيدة النجاة في الكرادة بوسط بغداد.

ففي فلسطين المحتلة أقدم مستوطنون صهاينة، وصفهم الإعلام بالمتطرفين، على إحراق كنيسة تاريخية تقع في شارع الأنبياء في القدس المحتلة، ويعود تاريخها إلى العام 1897 وذلك بعدما قامت مجموعة منهم بكسر النافذة الخلفية للكنيسة المكونة من طابقين وألقوا زجاجات حارقة أدت إلى احتراق الطابق الأرضي بكامله.

أما في العراق فإن الاشتباك الذي أدى إلى دخول مسلحي "القاعدة" إلى كنيسة سيدة النجاة بعد هجومهم على البورصة العراقية، أوقع عشرات الضحايا بينهم اثنان من الكهنة، ومن أصل 80 مصلياً لم ينج سوى 12 من مجزرة انهالت الإدانات لمرتكبيها من جهات الأرض الأربع.

وإذا كان من الطبيعي أن يشجب الفاتيكان ويستنكر الأوروبيون ويتضامن المسلمون مع إخوانهم المسيحيين في وجه جريمة "القاعدة"، فإن غياب ردود فعل تتناسب مع استهداف كنيسة القدس، رغم أنها اقتصرت على الحرق والتدنيس، ولم يقع فيها إزهاق للأرواح.. إلا أن لهذه الجريمة رمزيتها وخطورتها كونها وقعت في العاصمة المقدسة وجاءت في سياق الحملة الصهيونية الرافضة لتوصية السينودس بضرورة إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية.

من هنا تأتي أهمية هذا الربط الذي أكد عليه مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور محمد رشيد راغب قباني عندما قال إن احراق اليهود لهذه الكنيسة وما سبقها من إحراق وهدم للمساجد يؤكدان عنصرية الكيان الصهيوني وإجرامه في فلسطين، فهو لا يميز في اعتداءاته بين مسلم ومسيحي ولا بين مسجد وكنيسة، بل يخادع المسلمين والمسيحيين معاً، مستنكراً احتجاز رهائن داخل كنيسة سيدة النجاة ووقوع قتلى وجرحى في الكنسية لدى تحريرهم، مؤكداً أن هذا العمل يدينه الاسلام والمسيحية معاً ولا يصدر إلا عن جهات خارجية تدعم القتل والارهاب والتدمير في العراق وإثارة النعرات الطائفية لتنفيذ مخطط إعادة رسم خريطة المنطقة العربية.

خلفية عودة نشاط "القاعدة"

إن عودة نشاط "القاعدة" يرجع إلى جملة أسباب أهمها:

ـ انقلاب حكومة نوري المالكي على تجربة "الصحوات" في العراق، الأمر الذي أحدث ردات فعل قاسية لدى سنّة العراق وأرجع كثيرين ممن غادروا صفوف "القاعدة" إليها، وهذا الانقلاب غير مفهوم إلا على خلفية الصراع المذهبي المندلع في العراق. فتجربة الصحوات كانت التجربة الأولى الناجحة للمواجهة العسكرية والاجتماعية لتنظيم "القاعدة" في العالم العربي، ويبدو أن المالكي قرّر عدم السماح بوجود قوة أمنية سنية، حتى ولو كانت معتدلة وتساند الحكم العراقي، وإلا كيف يمكن فهم إصراره على إسقاط هذه التجربة وضرب مفاعليها، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر على الأمن والاستقرار في العراق.

ـ العجز الأمني والاختراق الواسع النطاق لهذه الأجهزة، وهو أمر أجمعت عليه كل التعليقات التي أعقبت مجزرة الكنيسة.

الحركات الإسلامية

في سياق استهجانه للاعتداء على كنيسة سيدة النجاة قال رئيس اتحاد الرابطات المسيحية في لبنان حبيب افرام: ان المسيحيين يدفعون الثمن من دون ان يكون لهم ناقة ولا جمل في ما يجري.. والسلطات العراقية عاجزة عن حمايتهم في حين تلزم الدول العربية والتنظيمات الاسلامية الصمت حيال ما يجري من عمليات تصفية تدريجية.

وفي هذا السياق يجدر بنا فتح نقاش حول دور الحركات الإسلامية التي يأخذ السيد افرام عليها صمتها، وأبرز نقاط هذا النقاش:

ـ ان المسيحيين لا يمكنهم وضع نص في أوراق السينودس يجعل من الحركات الإسلامية، كلها دون استثناء، مصدر الخطر على الوجود المسيحي في الشرق، ويصنّف جميع هذه الحركات في سلة واحدة، دون تمييز بين متطرف ومعتدل، ثم يطلب منها، البعض على الأقل، استنكاراً لفعل تنظيم "القاعدة" بعد أن بات بقية الإسلاميين مصنفين في خانة واحدة مع أسامة بن لادن وقاعدته، وهذا طبعاً أمر لا يستقيم.

وبصراحة أكثر، نقول: إن هناك من أدخل المسيحيين في دائرة صراع غير مسبوق عندما ضمّن نصوص السينودس تلك الرؤية غير المتوازنة حيال الحركات الإسلامية. وقد جاء الاعتداء الآثم على كنيسة سيدة النجاة في بغداد ليثبت ضرورة إعادة النظر في التعاطي مع هذا الملف، من باب الموضوعية أولاً، وبحثاً عن قوى الاعتدال بين هذه الحركات، وهي كثيرة، ومنها "الإخوان المسلمون" وهم قوة شعبية أساسية في العالم العربي وبين صفوف المسلمين في الغرب، ولهم مواقف واضحة في رفض فكر "القاعدة" التكفيري وعدم قبول الانقلاب وتتبنى المشاركة في الحياة السياسية وتؤمن بالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، فضلاً عن وجود محطات هامة لهم في تعزيز العيش المشترك، وكذلك في التشجيع على الاندماج الإيجابي للمسلمين في الغرب.

ولا يمكن في الوقت نفسه اعتبار حزب "العدالة والتنمية" في المغرب حزباً معادياً للمسيحيين، ولا "العدالة والتنمية" في تركيا بخلفيته الإسلامية عامل تهديد للعلاقات مع المسيحيين..

الموقف السعودي

وهذا الموقف بات اليوم ممتداً إلى الحالة السلفية وتحديداً في المملكة العربية السعودية، حيث ظهرت أصوات مرتفعة من أوساط العلماء تؤكد أهمية التعاطي الإيجابي مع المسيحيين وتندّد بالأفعال الإرهابية التي تعرضوا لها في العراق.

فقد كان لافتاً موقف عضو هيئة كبار العلماء وهي السلطة الدينية العليا في المملكة العربية السعودية، الشيخ الدكتور قيس بن محمد آل الشيخ مبارك الذي أكد أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بنى علاقة إيجابية مع نصارى زمانه فكان يستقبلهم في مسجده، كما حصل مع وفد نصارى ثقيف، مشيراً إلى أن بقاء اليهود والمسيحيين في البلاد التي يحكمها المسلمون حتى اليوم، وقد مضى على ذلك أربعة عشر قرناً من الزمن.

ورغب الشيخ مبارك بإيضاح "عدم وجود غرابة في أن نجد فخراً واعتزازاً بالإسلام من الأحرار من النصارى الذين عاشوا سماحة هذا الدين واستظلوا بظل عدله، فكان اعتزازهم بحضارته عنوان وفاء نقدره لهم ونشكرهم عليه، فحسن العهد وكرم الوفاء من أجلّ المروءات".

وفي هذا الإطار طالب الشيخ عبد الله النفيسان بضرورة التآخي مع الآخر وقبول ذوي الديانات الأخرى من غير المسلمين، مستنكراً بشدة الاعتداء على الكنيسة في العراق وإزهاق الأرواح البريئة خلال إقدام متطرفين على الهجوم عليها في وضح النهار، معتبراً أن مرتكبي هذه الجريمة يعملون لحساب تنظيمات متطرفة في العراق.
موقف الانظمة من الاسلاميين

إن ما أعلنه تنظيم "القاعدة" في العراق من استهداف مفتوح للمسيحيين في بلاد الرافدين وفي مصر يستوجب عدداً من الخطوات الهامة، منها:

ـ أن تتحرك الحركات الاسلامية المعتدلة لتعزيز خطابها الرافض للجرائم المرتكبة بحق المسيحيين والمسلمين على أساس طائفي ومذهبي وعنصري، وصولاً إلى مواجهة جنون تنظيم "القاعدة" بشكل سريع وفعال على المستويات المحلية والعربية والدولية، والتخلي عن كل التحفظات وعوامل التردّد أو الحياد، لأن الاستهداف الشامل للمسيحيين في المنطقة سيؤدي إلى ضرر عميق في النسيج الحضاري العربي والإسلامي، مما يستوجب على هذه الحركات التحرك لمحاورة الفاتيكان ومسيحيي الشرق بحثاً عن نقاط الجمع والتلاقي..

في المقابل، فإننا ندعو إلى تغيير استراتيجيات التعاطي بين الحركات الإسلامية (المعتدلة) والأنظمة والحكومات العربية، وهذا لا يتم إلا بتنازلات متبادلة وواقعية، تضمن تحصين أوطاننا من موجات التطرف والإرهاب، وتفتح أبواب المشاركة السياسية والتأكيد على اعتماد الوسائل السلمية للوصول إلى السلطة وتحريم الصدام الداخلي..

خطوات مسيحية مطلوبة

ـ أن يجري القيمون على السينودس من أجل الشرق الأوسط مراجعة لطبيعة النظرة والعلاقة بالحركات الإسلامية، وصولاً إلى فتح حوار مباشر مع هذه الحركات والهيئات ومع رجال الفكر الإسلامي من أهل الاعتدال وأصحاب الدعوة للعيش المشترك والتعاون الإسلامي المسيحي.

ـ أن تجري بعض الجهات والمؤسسات المسيحية تعديلاً على خطابها الإعلامي، وتحديداً قناة "الحياة" التي ترعاها الكنيسة القبطية في مصر، لأنها تضخ من عناصر الفتنة ما بات يعترف به العقلاء من المسيحيين قبل المسلمين.

إن هذه الإشارة لا تعني أنه لا يوجد في صفوف المسلمين متطرفون أو شرائح تتأثر بالخلاف الإسلامي القبطي على خلفيات محلية متعددة، لكن ما تحدثه هذه القناة من أثر سلبي يرفع منسوب التوتر بين الطرفين، فضلاً عن أن الغموض والالتباس في حالات مثل "كاميليا" التي يعتبر مسلمون أنها أسلمت وتنفي الكنيسة ذلك، يستدعي بحثاً عن وسائل التعامل مع قضايا حساسة كهذه دون السماح بأن تفجر العلاقات بين المسلمين والأقباط.

أما دعوة المطران بشارة الراعي لعقد قمة لدول منظمة المؤتمر الإسلامي لإدانة ما حصل من اعتداء على مسيحيي العراق، فإنها قد تفيد من الناحية المعنوية، أما فعلياً، فإن هذه الدول أدانت ما حصل، ويبقى الحوار مع المكونات الشعبية حاجة ملحة لنصرة المسيحيين المظلومين في العراق.

ـ في هذا السياق مسألة أخيرة لا تقلّ أهمية عما سبقها، وهي تتعلق بالعلاقة بين الأنظمة والحركات الإسلامية. إن هذا الملف لم يعد قابلاً للتأجيل لأن عواصف الفتنة الآتية تستوجب وقف لعبة عضّ الأصابع بين الجانبين والالتفات إلى التحدي المشترك الذي يواجه الجميع، كما هي الحال في العراق.

ومن الطبيعي القول إن هذا الملف معقد وليس بسيطاً، إلا أن حجم خسائر التلهي بالصراع وترك التطرف مرتاحاً، ستكون أكبر بكثير من أي تضحيات يتعين على الجانبين بذلها لتحقيق الأمن والاستقرار في عالمنا العربي والاسلامي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل