من استمع الى كلمة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مساء الخميس 11 تشرين الثاني 2010 أدرك جيدا أن نصرالله، ومن ورائه "حزب الله"، وصلا الى درجة الإفلاس السياسي الكامل.
لم يعد لدى نصرالله ما يقدّمه. أدرك أن منطق الإصبع المرفوعة لم يعد يجدي نفعا. وأيقن أيضا أن سياسة التهويل والوعيد لم يعد بالإمكان صرفها في السياسة اللبنانية.
حتى حين تذكر رفع إصبعه في آخر حديثه في موضوع رفض تسليم أي من عناصر "حزب الله" أو اعتقالهم، حتى حين رفع إصبعه في هذه المرة لم يبد مقنعا لأحد، ولا حتى لجمهوره.
فمنذ اللحظة الأولى لم يكن أي طرف داخلي في لبنان يراهن على إمكان اعتقال عناصر من "حزب الله". لكن ما فات نصرالله أنه تكفي معرفة الحقيقة، حقيقة المجرمين والمرتكبين والمخططين والمتكتمين. فالحقيقة وحدها تحرّر. أما العدالة فلا شك ستأتي. وإن تقاعست عدالة الأرض، فنحن مؤمنون بأن في السماء عدالة لن يهرب أحد منها.
بالعودة الى مضمون كلام نصرالله، أحببت أن أتوقف عند نقطة يتيمة، لأنه لم يعد من جديد في إطلالاته المملة والممجوجة، بل بات يعزف أسطوانة قديمة بالية وبلغ درجة مشهودة من الإفلاس السياسي. تخيّلوا يا جماعة أنه عاد الى نغمة تخوين حكومة الرئيس فؤاد السنيورة والأخبار الملفقة عن فترة حرب تموز!!! إفلاس ما بعده إفلاس… وتخيّلوا أنه اعتبر 7 أيار 2008 محاولة لضرب "حزب الله"، تبجح أنه أنهاها في 3 ساعات مقارنا أهل بيروت والجبل بالإسرائيليين الذين أنهى معهم حرب تموز بـ33 يوما…
يا عيب الشوم فعلا!
ونصرالله عاد بالتاريخ وبدا أشبه بالحكواتي حين أخذ يقرأ من مذكرات وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسنجر في محاولة لتدعيم نظريته حول دور الأميركيين وسياساتهم في الإساءة للبنان، وللمسيحيين في لبنان، إلا ان إفلاسه بلغ به حد الخطأ بالمراجع فالرواية التي نقلها نصرالله عن لسان كسنجر ليست سوى رد افتراضي للاخير تخيله صحافي في مجلة الحوادث العام 1976 رد على رسالة ريمون اده التي كان وجهها لكسنجر.
لكن ما فات نصرالله فعلا هو أن يقرأ تاريخ المسيحيين ومقاومتهم في لبنان. المسيحيون هم من وقف في وجه مخططات هنري كيسنجر. المسيحيون هم من قاوم مشروع التوطين والوطن البديل وتهجير المسيحيين الى بلاد الله الواسعة.
المسيحيون، بمقاومة "القوات اللبنانية"، هم من واجه كل مخططات الأميركيين والفلسطينيين والسوريين والإيرانيين وغيرهم.
"القوات اللبنانية" واجهت مشروع هنري كيسنجر، كما واجهت مشروع حسن نصرالله من بعده (لسماع مشروع حسن نصرالله بصوته – إضغط هنا) ( لمشاهدة مشروع حسن نصرالله بالصوت و الصورة-WATCH – DOWNLOAD) في منتصف الثمانينات حين كان يدعو الى قيام جمهورية إسلامية في لبنان وحين اعتبر أن أراضي كسروان وجبيل هي للمسلمين ويجب أن يحكمها المسلمون.
نعم "القوات اللبنانية" هي من وقفت في وجه السوري والفلسطيني في معارك البطولة من بلا ودير شناطة وقنات والأرز وشكا والأشرفية وعين الرمانة وزحلة و…
و"القوات اللبنانية" بصمودها في المنطقة الوحيدة التي بقيت حرة في لبنان، المنطقة الشرقية سابقا، أبقت مساحة حرة عصيّة على "حزب الله". هذه المنطقة التي ستبقى عصية والتي يشعر اليوم الجيش اللبناني أنه قادر على حمايتها على عكس مناطق أخرى تحولت مربعات أمنية خارجة على كل شرعية.
والمسيحيون هم أيضا من دفع ثمن المؤامرة الأميركية- الإسرائيلية- السورية التي قضت بوضع لبنان تحت الوصاية السورية منذ 1990 وحتى الـ2005.
ولكن المسيحيين بتوحدهم مع بقية اللبنانيين في "ثورة الأرز" قلبوا المعادلات وأخرجوا الجيش السوري من لبنان، وأجبروا الأميركيين على تغيير سياساتهم وعلى الاقتناع بأن في لبنان شعبا حرا يستحق الحياة بكرامة وعلى المجتمع الدولي أن يواكبه.
ولكن، ليطمئن نصرالله. لم ولن نراهن يوما لا على الأميركيين ولا على غيرهم. ولو كنا راهنّا في أي يوم عليهم لما كنا دخلنا الى المعتقلات، ولما كانوا حلوا حزب "القوات" واضطهدوا شبابه واعتقلوا قائده واغتالوا عددا من كوادره.
نحن لا نراهن إلا على إيماننا بلبنان، وطنا نهائيا لكل أبنائه بذلنا في سبيله كل التضحيات والدماء ليبقى حرا سيّدا متنوّعا يؤمّن الحريات لكل أبنائه وتقوم فيه دولة قوية لا شريك لها.
ونحن نراهن أيضا على تمسكنا بأرض القداسة لبنان التي زرعناها قديسين وشهداء، وكل قوى العالم في الداخل والخارج لا يمكن أن تغيّر قيد أنملة في إيماننا.
ومهما صرخت سنبقى نؤمن أيضا بـ"ثورة الأرز" وبوحدتنا مع شركائنا اللبنانيين المخلصين المؤمنين بـ"لبنان أولا"… وسيبقى لبنان أولا.