هل يعقل أن تسير الدولة بلا قانون ولا نظام ولا دستور بحيث يصبح "كل مين إيدو إلو"؟ وهل يعقل ان يعيش لبنان في زمن رديء بمنطق من لا منطق لهم وكأنهم مصابون بالفالج الذي لا علاج له؟ وهل يعقل ان يطالب البعض بتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية كي يستطيع ان يكون حكما وحاكما في آن واحد، وفي الوقت نفسه يتعدى هذا البعض على ما تبقى من صلاحياته فيفرضون عليه توقيت حسم الخلاف على المواضيع المطروحة على مجلس الوزراء بالتصويت، فيما هذا الحق يعود لرئيس الجمهورية، وفي ضوء تقديره للظروف اذا كانت تسمح بذلك ام لا، خصوصا انه صرح اكثر من مرة بأن التصويت بالنسبة اليه هو ابغض الحلال، وحتى ان رئيس الجمهورية عندما كان لا يزال يتمتع بصلاحية المشاركة في التصويت في مجلس الوزراء كان يحاول تأجيل بت الموضوع الى ان يحصل توافق عليه، لئلا يكون لنتائج التصويت انعكاس سلبي على الوضع الحكومي وبالتالي على الوحدة الداخلية والعيش المشترك، او كان يمتنع عن التصويت عندما يواجه انقساما مذهبيا كما حصل في عهد الرئيس شارل حلو عندما امتنع عن التصويت في موضوع دخول اول دفعة من المسلحين الفلسطينيين الى منطقة العرقوب بعدما رأى ان الوزراء المسلمين صوتوا في اتجاه والوزراء المسيحيين صوتوا في اتجاه آخر. كما ان التصويت على مشروع الزواج المدني الاختياري في عهد الرئيس الياس الهراوي نال الاكثرية المطلوبة ومع ذلك امتنع الرئيس رفيق الحريري عن توقيعه مراعاة لمواقف المراجع الدينية الرافضة هذا المشروع. وعندما مارس الرئيس سليمان حقه في طرح دفعة من التعيينات الملحة على التصويت بعدما تعذر التوافق عليها اتهم بانه عمد الى تهريب عملية التصويت… وها ان باقي التعيينات مؤجلة كي يتفادى حسم الخلاف في شأنها بالتصويت، مفضلا اخذ الوقت الكافي من اجل التوصل الى توافق، اذ ان ثمة من يتهمونه بالانحياز اذا صوَّت الوزراء المحسوبون عليه مع هذا الطرف او ذاك وحتى اذا امتنعوا عن التصويت بالانحياز ايضا، وهذا ما جعل مشاركين في مؤتمر الطائف يقترحون حرمان رئيس الجمهورية حق التصويت في مجلس الوزراء كي لا يكون طرفا عند انقسام الوزراء وليظل على الحياد ولا يكون صوته مرجحاً، وقد حرم هذا الحق في دستور الطائف حرصا على ابقائه على الحياد، وها ان من يصرّون على التصويت في المواضيع المثيرة للخلافات وفي اجواء انقسامات حادة لا يتركون له الوقت الكافي من اجل السعي الى التوافق او اختيار الوقت الملائم للحسم بالتصويت بل يعتدون على حريته في اختيار هذا الوقت ويقررون متى عليه ان يطرح هذا الموضوع او ذاك على التصويت تحت طائلة التهديد بتعطيل جلسات مجلس الوزراء.
ولا يكتفي هؤلاء بالتعدي على ما تبقى من صلاحيات رئيس الجمهورية، انما يتعدون ايضا على صلاحيات رئاسة الحكومة بفرض تحديد موعد عقد الجلسات وإدراج ما يريدون من مواضيع في جدول اعمالها تحت طائلة التهديد بمقاطعة هذه الجلسات او بالانسحاب من الحكومة، جاهلين او متجاهلين ان الدستور يعطي رئيس الجمهورية صلاحية دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد، حتى ان هذا الدستور حرم رئيس الجمهورية حق توجيه هذه الدعوة الا بموافقة رئيس الحكومة. واعطى رئاسة الوزراء حق إعداد جدول الاعمال وإطلاع رئيس الجمهورية مسبقا عليه ولم يعط اي وزير حق ادراج ما يريد من مواضيع على هذا الجدول بدون موافقة رئيس الحكومة.
وكما ان الرئيس بري ارتأى في ظروف امنية وسياسية دقيقة تعطيل جلسات مجلس النواب بامتناعه عن الدعوة اليها، فان من حق رئيس الحكومة في حال واجه الظروف نفسها ان يفعل الشيء نفسه، لان الدعوة الى عقد جلسة مجلس الوزراء منوطة به كما دعوة عقد جلسة لمجلس النواب منوطة برئيس المجلس.
لقد بررت قوى 8 آذار كممثلة للاقلية مطالبتها بتشكيل حكومة وحدة وطنية، بالقول انها تخشى ان تستأثر الاكثرية باتخاذ القرارات وان تخضع لديكتاتوريتها، فكانت النتيجة ان الاقلية هي التي تمارس ذلك بقوة السلاح الذي لا تملكه الاكثرية، فاستطاعت بحكم هذا الواقع ان تفرض انتخاب رئيس للجمهورية من خارج صفوف الاكثرية وذهبت الى حد مقاطعة جلسات الانتخاب بهدف تعطيل النصاب، واستطاعت ايضا فرض تشكيل حكومة "وحدة وطنية" اصرت على ان يكون لها فيها الثلث المعطل، ولم يتم حل هذه العقدة الا في مؤتمر الدوحة الذي جعل طريقة تشكيلها يحول دون ان تستأثر الاكثرية في اتخاذ القرارات ولا ان يكون للاقلية قدرة التعطيل. واستطاعت الاقلية الممثلة لقوى 8 آذار في حكومة الرئيس السنيورة تعطيل عملها واعتبارها حكومة غير شرعية وغير ميثاقية عندما انسحب الوزراء الشيعة منها احتجاجاً على مشروع النظام الداخلي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان وها هم يعيبون على وزراء الاكثرية اذا ما اقدموا على ذلك احتجاجاً على طرح ملف شهود الزور على التصويت خلافا لرأي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
لذلك ينبغي العودة الى الدستور وتطبيق احكامه فلا تتدخل سلطة في صلاحيات سلطة اخرى او تعتدي عليها. فرئيس الجمهورية هو الذي يقرر متى يسمح الظرف بحسم الخلاف حول اي موضوع بالتصويت او عدم حسمه الا بالتوافق، ورئيس الحكومة هو الذي يحدد مواعيد عقد جلسات مجلس الوزراء بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، وهو الذي يعدّ جدول اعمالها وعلى الوزير ان يوقع القرارات والمراسيم التي تصدر عن مجلس الوزراء تأكيداً للتضامن الوزاري والا عليه ان يستقيل، لا ان يقاطع او يعتكف فيظل يمارس عمله في وزارته ويستفيد من الخدمات لنفسه ولجماعته ويعطّل من جهة اخرى جلسات مجلس الوزراء…
الواقع ان لبنان عندما كان يمارس النظام الديموقراطي لم يكن يواجه مثل هذه المحاذير، فالحكومة التي تتألف من الاكثرية كانت حكومة متجانسة ومنسجمة تقر المشاريع بالتوافق ونادرا ما تحسم الخلاف حولها بالتصويت الذي يخضع الجميع لنتائجه، ولكن عندما فرض عليه ممارسة النظام التوافقي بدون الاتفاق على كيفية تطبيقه اخذت البلاد تشهد ما تشهده من عجائب وغرائب ومن تعطيل للعقل والمنطق، وسيطرة حق القوة على قوة الحق…