#adsense

الاستقلال بين الحقيقة والتدجيل

حجم الخط

الاستقلال بين الحقيقة والتدجيل
طوني كرم – استراليا


في الاول من ايلول، عام 1920، وامام شعب غفير احتشد في ساحة قصر الباروك، يتقدمهم البطريرك والمفتي والشيخ والزعيم والموظف…، أعلن الجنرال غورو، المندوب السامي، لبنان الكبير بحدوده الطبيعية، من النهر الكبير شمالا الى ابواب فلسطين جنوبا، الى قمم لبنان الشرقي… وتضمن اعلانه هذا خطابا وجهه الى اللبنانيين، ومما جاء فيه:
"هذا هو الوطن الذي هتفتم له وحييتموه …

هذا هو الوطن العظيم الذي أزفه اليكم، فهو يستفيق حراً… بعد ان رسف أجيالاً تحت نير الاستعمار… فأصبح في وسعه ان يسير في طريق التقدم والنجاح … فالى العمل اذن يا اهل لبنان ولا تتقاعسوا ولا تكونوا عالة على وطنكم …
اذا اردتم ان تكونوا شعبا حرا يطمح الى ان يكون شعبا كبيرا، يترتب عليكم واجبات لا بد من القيام بها… واولى هذه الواجبات واقدسها هو الاتحاد، فهو عنوان عظمتكم كما ان الاختلافات المذهبية والجنسية كانت فيما مضى السبب الاكبر في ضعفكم.
ان الاوطان لا تنهض ولا تستقيم امورها الا بالتضحيات الكبرى واهمها تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
… واني منذ الان انظر بملئ الثقة الى اليوم الذي فيه تصبحون اهلاً لحكم بلادكم بانفسكم، وان تحقيق هذه الامنية يتوقف على حكمتكم وكفاءتكم وبلوغكم درجة من التربية السياسية تؤهلكم الى السير لوحدكم في ميدان الحياة الدولية".

ومنذ ذلك التاريخ، ولغاية يومنا هذا ولبنان يتخبط بهمومه، احداث عصفت به، من ثورة 1958 الى معارك 1973 مرورا بحرب 1975 التي ما زلنا نحصد نتائجها حتى يومنا هذا، نحصد تخلفا وانحطاطا وخسائر على جميع الصعد الاقتصادية والبشرية والسياسية، واهم نتيجة نحصدها اليوم هي:
"ان لبنان الكبير الذي تم اعلانه، لم يعد كبيرا…
والشعب لم يعد حرا، لانهم لا يريدونه ان يكون كبيرا ..

انه على المشرحة، يحيطه عدد كبير من ذوي الخبرة والحنكة في اثارة الفتن، وكل يحمل سكينا، لا بل سيفا قاطعا وعيناه على لبنان الفريسة وعلى الحصة التي ستعطى اليه …".
أما لماذا ؟؟ … لانه العجز، لاننا لسنا مؤهلين ان نحكم بلادنا بانفسنا، لانه يوجد سوء في التربية السياسية، لان المصلحة الخاصة كانت وما زالت تتقدم على المصلحة العامة، لان الواجبات التي لا بد من القيام بها قد اهملت…، ولان الاختلافات المذهبية والجنسية، طغت على كل وحدة حتى كانت السبب الاكبر في الضعف امام الذين استغلوا الوضع لتمزيق لبنان، شعبا واحزابا… فمات فيه الحق وماتت الحقيقة، وانتصر الباطل، وانتصر الطامعون، والحاقدون الغرباء…

اما من من فوق …، فهم يريدون ان يبقوا فوق، فلا فرق عندهم، سواء خرب لبنان ام عمر، فاموالهم كفيلة لهم بان تشتري اوطانا…
وعندما تسألهم : " أي لبنان تريدون ؟ تردك أجوبة كثيرة ، متعددة، ومتضاربة … علمنة سياسية، علمنة سياسية اجتماعية شاملة، لا مركزية ادارية، تقسيم، كانتونات… ولكل حل مؤيدون ومعارضون … والسؤال يبقى لغزا…!!!!"

رسموا فيه خطين متوازيين، وصمموا على الا يلتقوا، فيطرحون حلولا ومشاريعا تؤكد على خلاف وكانه واجب ابدا…
يظنون ان المقاعد ستدوم، وانهم دائمون بدوامها، لا بل يعتقدون انهم ولدوا لهذه المقاعد، وبانها ولدت لهم.
وبفضل مشاريعهم واعتقاداتهم هذه، لبنان يغرق في الرمال يوما فيوما… وشعبه سكارى…!!!

مظلوم هذا الوطن الذي يدعى لبنان… كان بلد الجمال… وكانت ارضه… ارض العطاء وولادة الحرف، والعبقرية، والحب… وكان وطن الحرية والمجد والكرامة…
فهل يبقى خالدا وصامدا؟ لعلهم يتعلمون … فيتخذون لهم مقاما بين الامم التي قد تختلف على كل شيء، ما عدا مصلحة الوطن، فهي التي ينبغي ان يتفقوا عليها … فينتصر الوطن، ويعود كبيرا كما ارادوه لنا، فينتصر فيه صبره، وصموده… على جهلهم، انانيتهم وعلى احقادهم، فَيسْموا هذا الشعب مع قادته ليصبحوا مناسبين للوطن المناسب…

تسعون عاما، منذ ولادته دخل لبنان في الصراع، صراع البقاء، صراع السيادة ، صراع الاخوة، وهو ما زال يعاني حتى الساعة، وهم لا يزالون يتكلمون عن لبنان الجديد، الجمهورية الثانية والثالثة والرابعة؟؟؟ .. عن الوحدة، وحدة الشعب، عن الانصهار الوطني، عن الغاء الطائفية السياسية، عن الدائرة الواحدة …
ويتغاضون أنه ، شئنا او ابينا، متعدد الطوائف وذو انتماءات دينية مختلفة… أنه مجموعة تناقضات… مجموعة فئات مختلفة الميول والاهداف والعقيدة والثقافة…

ويتغاضون حتى ان مصير اكثر اجزائه اليوم لا يزال مجهولا، وحتى مصيره هو بالكامل…!!!؟
فجنوبه حتى الساعة ومع كل الانتشارات الدولية واللبنانية، يسأل: الى اين المصير؟ فمصيره مجهولا …!!
بقاعه وشماله … تنتشر مخيمات وبقع عسكرية… محرمة على الدولة… وما ادراهم كم من المسلحين داخلها..؟
اما العاصمة وضاحيتها، فهي رغم كل التبدلات في التحالفات، ورغم الغاء الخط الاخضر، عن الخرائط والارض…
فهي مختلفة في الجوهر والثوابت… وبداخلها جزر امنية لبنانية وفلسطينية محرمة على الدولة والقانون… وما ادراهم؟ فالدولة لا تستطيع ان تشق طريقا حتى؟!!
وبيت القصيد يبقى جبل لبنان، فهو لا حول له ولا قوة، يصرخ ولا من يجيب، يسأل فيرد عليه بلؤم وخبث ما يكفي لهدم جبل… وما ادراهم؟؟؟
يتغاضون.. تحت حجة الاستراتيجية المشتركة… والتعاون والاخوة… والقضية… والقومية العربية… والموانع المحلية!!! والموانع الاقليمية؟! ولا ننسى الموانع الدولية؟!
وماذا؟ لبنان سيد ؟ مستقل ؟…

ايها اللبناني ،
نظرة تأمل منك ، اينما كنت، ولآي فئة انتميت … نظرة تأمل بالماضي والحاضر والمستقبل، نظرة تأمل في ماهية الامور الجارية في لبنان … تأمل بتجرد، من دون اي خلفية عقائدية او قومية او مذهبية… او عائلية فترى…
"ان لبنان اليوم وبكل اسف، هو مرتهن… لا مكان فيه للمساواة والعدالة حيث تسوده احكام شريعة الغاب …".
"مصالح حكامه فوق كل اعتبار.. فهم اصحاب نفوس متمردة، يتأكلها الحسد والحقد والغيرة وحب الانتقام وحب التسلط، بلا مناعة واكتفاء، بلا تقدير للغير، بلا استعداد للالفة والمحبة والتعاون، غير محترمة لحقوق الانسان وحريته الاساسية، غير عابئة بمأكل او مشرب او استشفاء المواطن… او بابسط حقوقه المدنية والاجتماعية… العدالة والقضاء، بكل بساطة رهينة بيد الاسياد … يراعون مصلحة الاقوى … دولة تصوغ قوانينها لتخدم مصالحها، وهو بالتالي ودائما، عادلا بالنسبة لرعاياها، وكل من ينحرف عن ذلك تتهمه بالذنب، باللاقانونية وبعدم العدالة… فيالفون له الروايات… وينفضون الغبار عن ملفات… وعندما تسأل، لا احدا يعلم !!!

ولهذا فليكن يوم الاستقلال عندما لا يعود هناك اي سيف مسلط على رقاب الجميع… يكون يومها يوم الاستقلال…
الاستقلال الحقيقي يوم يصبح لبنان… لبنان الانسان… الديمقراطي … السيد، الحر، المستقل، فيه يولد ابناؤه احرارا، ويتساوون في الحقوق والواجبات، ويتمتعون بكامل حقوقهم وحرياتهم من دون اي تمييز او اجحاف او تفرقة… لبنان الدولة القائمة على منطق العدالة الشاملة والوفاق الصحيح والمؤسسات الفاعلة، والادارات العاملة النزيهة، والمصلحة العليا تكون فوق كل اعتبار…

فأين نحن من هذا النموذج ؟
وأين نحن من هذا الاستقلال؟
استقلال لبنان يكون عندما يتحرر كل لبنان …
استقلال لبنان يكون عندما تتحرر ارضه ويتحرر شعبه …
كل لبنان لم يتحرر بعد…
والانسان في لبنان لم يتحرر بعد …
اذا الاستقلال لم يتم بعد …
ولكنه اتٍ… فعاش لبنان

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل