#adsense

قصة خطابين

حجم الخط

لبنان لا يعاني انقساماً بين مشروعين: الدولة والدويلة فحسب، بل ايضاً بين خطابين يجسدهما اليوم بكل وضوح رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله.

الرئيس الحريري منذ أن تسلم الامانة بعد استشهاد والده الذي ذهبت عبارته مثلاً: "لا أحد أكبر من وطنه"، يحرص كل الحرص على السلم الاهلي، فكانت مواقفه حتى الامس تؤكد الحوار الداخلي سبيلاً في مواجهة التحديات أياً تكن، وهذا ما دفعه الى أن يلتقط من بين كل التوتر الذي ميّز خطاب السيد نصرالله الاخير عنصراً ايجابياً يتمحور على المسعى السعودي – السوري للتهدئة في لبنان.

في المقابل، ومنذ اضطلع السيد نصرالله بمهمة الأمين العام لـ"حزب الله" يحرص على مقولة "سلاح الحزب فوق كل اعتبار". وقد ارتبطت هذه المقولة منذ 14 شباط 2005، تاريخ استشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، بحجم هائل من الارتياب حيال كل من يطرح قضية الدولة ووحدانية سلطتها على بساط البحث. وهذا ما تجلّى في خطابه الاخير الذي فضل التدخل السوري – السعودي على الحوار الداخلي الذي بات اليوم في ضمير الغيب، مكيلاً في الوقت نفسه كل أنواع التهم على شركائه في الوطن.

وبينما بدا صمت الحزب أمس ظاهراً حيال الاشارات الايجابية التي أطلقها الرئيس الحريري تجاه السيد نصرالله كان لافتاً حتى الغرابة تحوّل وسائل اعلامية يمولها الحزب وايران أدوات في الهجوم الذي كان يتولاه سياسيون على قوى 14 آذار وقياداتها وفي مقدمهم رئيس مجلس الوزراء.

حتى وقت قريب كان الميدان الاعلامي في منأى عن التراشق السياسي مما جعله الى حد ما ساحة تلاق لا ساحة حرب. أما وقد بدأت حقبة جديدة من الصراع فإن الباب الذي يؤدي الى اشتعال جبهة جديدة مهيأ لكي يفتح على مصراعيه. وربما يطرح هذا الاحتمال تساؤلاً عن تحرك قد يقوم به وزير الاعلام طارق متري أو نقابة الصحافة أو أي جهة تتمتع بالصفة النقابية للاشراف على هذا القطاع كي تحميه بمظلة أدبيات فلا ينزلق الى مناخات التوظيف العنيف. واذا ظهر ان هذا التحرك من غير جدوى فإن البديل قد يكون رفع الحظر عن كل الخصوصيات التي ترتبط بشخصيات سياسية من الجهة التي اتخذت من الاعلام متراساً جديداً للتهجم الشخصي الفالت من عقاله. وكل المعطيات المتوافرة تفيد أن هناك فيضاً من التفاصيل التي ستهز الصورة العامة لكثيرين من افراد الطبقة ذات الصلة بالمواجهة السياسية وهم ينتمون الى أعلى هرم المسؤوليات، وقد بقوا حتى الآن في منأى عن أي مساءلة ذات طبيعة شخصية.

عند احتدام المواجهات الكلامية في الاعوام الاخيرة كانت فكرة التهدئة تطل على المسرح. وقد جسدها مراراً رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من خلال طاولة الحوار.

أما اليوم، وفي غياب طاولة الحوار، وفي ضوء انتهاك الحرمات الشخصية من خلال بعض وسائل قوى 8 آذار فإن فكرة ميثاق الشرف الاعلامي تبدو تائهة على قارعة الاحداث بفعل الانقسام بين خطابي السلم الاهلي والسلاح "الإلهي". وفي انتظار ايجاد جسر تفاهم بين هذين الخطابين فإن أخطار اشتعال الحريق الاعلامي تبدو كبيرة جداً مما يستدعي تحركاً عاجلاً يبدأ بتحمل المموّل لمشروع الحريق المسؤولية والمسارعة الى اطفائه. ربما يظن من يتمتع بمنظر النيران اليوم انه يصفّي حساباته السياسية من دون عناء الظهور مباشرة، في حين تقوم وسائله بالمهمة بالواسطة. لكن هذا الظن ينطوي على خطأ كبير اذا ما جرى تذكر المثل المشهور "مَن كان منزله من زجاج لا يرشق الآخرين بحجارة".

الايام المقبلة ستوضح الكثير مما يبدو غامضاً اليوم، على رغم أن الكثير الكثير فعله الحريري ليهدئ من فتنة أثارها 7 أيار 2008 بينما عاد نصرالله في خطابه الاخير الى النفخ فيها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل