كشفت آلاف الوثائق السريّة التي نشرها موقع "ويكيليس" اواخر شهر تشرين الأول الماضي عن الدور الخطير الذي تلعبه سوريا وإيران بهدف زعزعة استقرار العراق وتقاسم النفوذ السياسي والأمني فيه. وقد اكّد نائب رئيس الوزراء البريطاني نك كليغ مصداقية هذه الوثائق، معبّراً عن قلقه العميق لما تضمنّته من معلوماتٍ في غاية الخطورة والأهميّة.
ولا شكّ أن مضمون هذه الوثائق، معطوف على المعلومات التي نشرتها مجلة "الشراع" في عددها الأخير، والتي تُشير الى تورّط عملاء ايرانيين في الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة سيدة النجاة في العراق اوائل الشهر الحالي، جاء ليؤكد ضلوع جهاتٍ إقليمية في مخطط تهجير المسيحيين من العراق، تمهيداً لإفراغ الشرق من مسيحييه.
إن تلطّي بعض الجهات الإقليمية خلف ستار تنظيم "القاعدة" من اجل زعزعة الإستقرار في المنطقة، هو مشروعٌ "ناجح" يدُرّ على هذه الجهات الإقليمية مكاسب سياسية عدة، منها:
اولاً)ظهور هذه الجهات بمظهر "الإعتدال"، وتسويق نفسها على انها الحليف الموضعي لدول العالم الحّر، في مواجهة أصولية سنيّة متنامية.
ثانياً) خلق حال من اللااستقرار تهدف الى إبتزاز الدول الغربية والعربية وإجبارها على عقد صفقاتٍ سياسية وأمنية غير متوازنة، واستطراداً قبض أثمانٍ سياسية في العراق، ولبنان وفلسطين وغيرها من الأماكن المُلتهبة في الشرق.
ثالثاً)تشويه سمعة الدول العربية والسنيّة، في مقابل الترويج لسياساتٍ دينية أكثر "إنفتاحاً" تنتهجها هذه الجهات في علاقاتها مع الأطراف الأخرى.
رابعاً) تشتيت الأنظار عن الأخطار النووية التي تمثّلها تلك الجهات، في مقابل إلهاء دول العالم الحرّ والرأي العام العربي والدولي بخطر الأصولية السنّية.
ومن المفارقات اللافتة، أن تتعرض الكنائس المصرية لتهديدات تنظيم "القاعدة"، وذلك بالتزامن مع الدخول المصري الداعم للمسعى السعودي على خطّ تشكيل الحكومة العراقية. فعودة جمهورية مصر العربية لتلعب دورها الفعّال في الشرق الأوسط قد أثار قلق ونقمة بعض الجهات الإقليمية، التي لا شكّ انها استعانت بفزّاعة "القاعدة" من أجل إشغال مصر بقضايا تتعلّق بأمنها القومي، ووحدتها الوطنية.
فالمصريون الأقباط، على الرغم من كل شيء، لا يزالون يمثّلون قوّة ديمغرافية وإنتاجية وازنة، وهم يُشكّلون، مع باقي المصريين، رافعةً شعبية رئيسية للنظام في مصر.
من هنا، فإن اللعب على وتر الوجود القبطي في مصر، هو رسالة ابتزاز أرادت بعض الجهات الإقليمية إيصالها للدولة المصرية بشكلٍ مباشر، وهو يهدف الى ثني مصر عن القيام بدورها الريادي بصفتها الدولة العربية الأم، وصمّام الأمان للهوية العربية في مواجهتها لأشرس حملةٍ تُخاض ضدّها منذ اوائل القرن العشرين وأفول موجة التتريك.
وبالعودة الى لبنان، فإن ضرب مقوّمات الوجود المسيحي فيه، يُشكّل حلقةً أخرى من المسلسل الذي بدأت بعض الجهات الإقليمية المعروفة بعرضه في العراق، وحاولت عبثاً تعميمه على مصر، وصولاً الى الشرق الأوسط برمتّه.
إن محاولات تقسيم المسيحيين واستلحاقهم بمشاريع تتنافى اساساً مع الدستور اللبناني، تعني حُكماً جرّ المسيحيين الى خارج النظام السياسي الحالي الذي امنّ لهم مناصفةً ووجوداً فاعلاً في الحكم. وهو ما يؤدي عملياً وواقعياً، الى خروج المسيحيين عن النظام السياسي القائم حالياً، وتحولّهم بشكلٍ لاإرادياً ولاواعياً الى أداةٍ مُساعدة لإستبدال هذا النظام بنظامٍ سياسي آخر يجهلون طبيعته تماماً.
وإذا كان بعض "المسيحيين" المُستلحقين بمشروع تقويض الدولة، يجهلون طبيعة النظام الجديد المُقدمون عليه، فإن الجهات الداخلية والإقليمية التي تُسيّر هؤلاء لم تجد غضاضة في الإفصاح عن بعض الخطوط العريضة لهذا النظام.
فوزير الخارجية الإيرانية منوشهر متكّي فاتح موفد الرئاسة الفرنسية جان كلود كوسران بمسألة إعطاء "حزب الله" حصّة أكبر في السلطة. سبق ذلك إعلان وزير "حزب الله" طراد حماده الى صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 13 تشرين الثاني 2006 أن "لا شيء يمنع الشيعة من السعي الى رئاسة الجمهورية". كما وينقل الإستاذ كريم بقرادوني في الصفحة 89 من كتابه "لعنة وطن" عن الرئيس نبيه برّي أنه "يتمسّك بإلغاء الطائفية السياسية كي يُفسح في المجال امام طائفته الأكبر عدداً بتبوأ رئاسة الجمهورية، وقد حلم مرّة ان يكون اول رئيس شيعي للجمهورية اللبنانية".
في تعريف "العرف الدستوري" فإن قاعدة قانونية غير مكتوبة تواتر العمل بها، وترتكز عناصرها على: التكرار الذي اكسبها صفة الثبات، وعنصر الإقتناع والإستقرار في ذهن الجماعة. والعرف الدستوري إمّا ان يتحوّل لاحقاً الى مادة دستورية مُدونّة، أو ان يسقط مع الوقت بسبب فقدانه أحد عناصر استقراره.
وبالتالي، فإن "المثالثة" ستُفقد العرف الدستوري- الذي امّن للمسيحيين الموارنة تولّي رئاسة الجمهورية في لبنان- أحد عناصر ثباته، كون "المثالثة" تلك سوف تحوّل المسيحيين تدريجياً الى مجموعة هامشية تفتقر لأي قوة ضغط شعبية وسياسية تمنح هذا العرف الدستوري سموّه وثباته. وعليه فإن تطبيق "المثالثة" ليس سوى الخطوة الأولى باتجاه القبض على رئاسة الجمهورية.
ولا شكّ في أن الإنقلاب على العرف القاضي بتولّي ماروني لمديرية الأمن العام، وارثوذكسي لوزراة الخارجية، كان بمثابة جسّ نبضٍ اولّي قد يسبق محاولاتٍ مستقبلية للإنقضاض على العرف الدستوري المُشار اليه أعلاه.
إنطلاقاً من كل ذلك، فإن الجهات التي تحاول ضرب مقوّمات الوجود المسيحي في لبنان والشرق، هي جهات معروفة تتلطّى خلف الف ستارٍ وستار، وتعمل وفق مخطط واجندة واضحة، تسعى من خلالها الى ممارسة الإبتزاز وجني مكاسب سياسية وأمنية مُحددّةٍ في المكان والزمان.
من هنا فإن تشديد الرئيس سعد الحريري على مبدأ المناصفة ينبع من حرص الطائفة السنّية بقيادة "تيار المستقبل" وضمن تحالف "14 آذار"، على منع استفراد المسيحيين الذي سيستتبعه حكماً إستفرادٌ مماثل للطائفة السنيّة. فمبدأ المثالثة ليس قضيةً داخلية تُعنى بتوزيع السلطة بين لبنانيين ولبنانيين، وإنما هو الترجمةٌ العملية لمشروعٍ إقليمي كبير يبدأ بضرب المسيحيين العرب… وينتهي بابتلاع الدول العربية كلها…