لأن تشكيل الحكومة يشكّل اختباراً للإلتزامات الخارجية والداخلية
مخاوف من تسرّع ساركوزي في مكافأة سوريا قبل الأوان
هل استعجل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الاتصال بالرئيس السوري بشار الاسد وشكره على التعاون السوري في اتمام الانتخابات الرئاسية بما يعني ذلك من مبادرة الى مكافأة السوريين على نحو اسرع من المتوقع؟
هذا الانطباع تركه الاتصال الذي فاجأ الديبلوماسيين الغربيين المعتمدين في بيروت بتوقيته باعتبار ان المرحلة اللاحقة لانتخاب رئيس الجمهورية الذي كان خطوة بالغة الاهمية، هي لتأليف الحكومة حيث قد يلقى الرئيس المكلف فؤاد السنيورة صعوبة كبيرة في التوفيق بين مختلف المطالب التعجيزية والمزايدات، فيكون تأليف الحكومة وكذلك البيان الوزاري بابين من اجل فتح بازار جديد يتم اخضاع الرئيس الجديد والاكثرية فيه لشروط مستحيلة . فالازمة حتى هذه اللحظات أو حتى الاتصال الذي اجراه ساركوزي بنظيره السوري لا تزال قائمة ولم تشهد حلاً نهائياً لها . وحتى لو كانت الرئاسة الفرنسية تملك ضمانات بان الامور تسير بحسب روزنامة معينة ولن تشهد اي عرقلة تذكر يبقى في توقيت الاتصال رمزية معينة خصوصا انه سبق للامور ان كانت تسير سير الماء انحدارا وتعرقلت فجأة حتى مع الفرنسيين بالذات. ومن هنا الخشية الكبيرة ان الانفتاح قد يكون مبكرا او متسرعا بعض الشيء .
ويتفهم كثيرون الطابع الملح لاعادة التواصل بين فرنسا وسوريا باعتبار ان باريس تحرص على انجاح المؤتمر الأورو-المتوسطي الذي دعت سوريا الى حضوره ايضا في 13 تموز المقبل( من دون استبعاد دعوة ساركوزي نظيره السوري الى حضور العرض العسكري في 14 تموز ) خصوصا ان سوريا اظهرت بعض التعنت رغبة في الحصول على اصرار من فرنسا للمساهمة في المفاوضات حول الوحدة من اجل الشركة المتوسطية ، لكن توقيت الاتصال يحمل سلبيات لتشجيعه الطرف المعارض الذي يعتمد على سوريا او سوريا بالتحديد على التشدد في شروطها، اذ لن يكون سهلا التهديد بالعودة الى قطع الاتصالات السياسية في حال عرض حلفاء سوريا شروطا جديدة من اجل تسهيل تأليف الحكومة او بدء عملها. فضلا عن ان توقيت الاتصال يحبط الافرقاء الاخرين الذين يعولون على استمرار الضغط او عدم فتح الابواب واسعة امام دمشق ما لم يتثبت المجتمع الدولي من تعاونها على نحو قاطع وليس من عقبات اضافية قريبا.
فالمشهد السياسي الفرنسي بات مثيرا لعلامات استفهام كبيرة منذ بعض الوقت وتحديدا منذ فشل المبادرة الفرنسية في شان حل الازمة اللبنانية ، لكن الكثير من التسرع يطبع السياسة الخارجية الفرنسية بين ساركوزي الذي يعطي انطباعا عن رغبته في انجاز المسائل سريعا، وبين وزير الخارجية برنار كوشنير الذي اعلن بعد ايام قليلة من اجتياح "حزب الله" بيروت ومحاولته اجتياح الجبل استعداد فرنسا لدعوة الحزب الى باريس. فالعلاقات مفتوحة بين الجانبين على ما هو معروف، وليس في دعوة الحزب الى العاصمة الفرنسية جديد. لكن هذا الكلام في وقت لم يكن التوتر قد لملم بعد من بيروت والجبل بدا في غير توقيته المناسب اقله من حيث الدعم المعلن من فرنسا للحكومة برئاسة فؤاد السنيورة التي نالها ما نالها اخيرا كما من حيث الدعم المعلن من فرنسا للاكثرية النيابية . فقد يكون لكوشنير كما لساركوزي مبرراته، ولكن في الاطار المعروف لتطور الامور في لبنان وبين جيرانه خصوصا سوريا يمكن ان توظف المواقف هذه لغير الاهداف التي تقول فرنسا انها تعمل لها . وسبق للاميركيين ان جربوا مرارا مع سوريا في هذا الاطار، فكان المسؤولون السوريون يسعون الى توظيف اي اتصال بهم حتى لو كان مضمونه سلبيا في خانة الضغط على خصومهم في لبنان . في حين ان الانفتاح المبكر او المتسرع يضعف الاكثرية وشروطها كما يضعف قدرتها على مواجهة خصومها في بازار الاخذ والرد الذي لا يزال جاريا حتى لو تم توقيع اتفاق الدوحة . وهذه الخطوة كانت متوقعة من دول اوروبية اخرى اكثر مما كانت متوقعة من فرنسا بهذه السرعة، ولم يحظ تعريج وزير الخارجية الاسباني ميغيل انخيل موراتينوس على دمشق بعد مغادرته بيروت على اثر مشاركته في جلسة انتخاب العماد سليمان رئيسا بأي تعليق مماثل نتيجة العلاقات المعروفة، والتي لم تتوقف بين المسؤولين السوريين وموراتينوس.
من هذا المنطلق يعتقد كثيرون بضرورة احتفاظ الدول الاوروبية بواجب الحذر في الانفتاح من جهة ما داموا خاضوا معركة الدفاع عن استقلال لبنان وبسط سيادته على اراضيه وواجب متابعة الضغوط من اجل تأمين ذلك من جهة اخرى. وان ترك لبنان وحيدا من دون استمرار دعم حصوله على "اقرار من سوريا بانه دولة سيدة حرة، "كما قال وزير الخارجية الالماني والتر فرانك شتانماير من البحرين عشية وصوله الى بيروت اليوم من شأنه ان يضيع كل الجهود الاوروبية والدولية التي بذلت في العامين الماضيين لتحصين استقلال لبنان . ومن هذا المنطلق تبدو زيارة ساركوزي المرتقبة لبيروت بالنسبة الى كثيرين نقطة ايجابية، اذ تكون فرنسا الدولة الاولى على هذا المستوى الرئاسي التي تؤكد على دعمها المباشر للرئيس الجديد للجمهورية مع ضرورة ان يوجه ساركوزي ليس عبر حضوره الى بيروت فحسب بل على نحو خطابي واضح رسائل بالغة الاهمية خلال الزيارة الى كل ما يعنيه لبنان المستقل والسيد وسط محيطه بالنسبة الى المجتمع الدولي وضرورة التزام متابعة ذلك .اذ ان امورا مماثلة تحتاج الى اكثر من الاتصالات الشخصية والمداولات البعيدة من الاضواء وتستلزم الانتقال الى الاعلان المباشر والواضح الذي لا لبس فيه خشية توظيفه او تأويله.