شكلت المساعدات العسكرية التي قدمتها روسيا الاتحادية للبنان والتي تم الاعلان عنها خلال الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري لموسكو نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين ولا سيما في حقل التعاون العسكري بين لبنان والجبار الروسي. فعبر عقود طويلة من الزمن لم يقترب لبنان من موسكو كما يحصل الآن. ولم يكن لروسيا اي علاقة جدية بلبنان على المستوى العسكري الذي بقي حكراً على الدول الغربية وتحديدا الولايات المتحدة وفرنسا. ولقد جاء الاعلان عن رزمة معدات ثقيلة تمنحها روسيا للبنان بينها طائرات هليكوبتر ودبابات قتال متطورة في هذه المرحلة المعقدة التي يمر بها لبنان لتكون بمثابة رسالة واضحة من احد الكبار في العالم من خارج المعسكر الغربي، بأن الدولة في لبنان تحظى بمظلة روسية أيضاً. فالمرحلة الأخيرة التي شهدت ضخاً غير اعتيادي لسيناريوات انقلابية اساسها تحرك عسكري – أمني لـ"حزب الله" بمناسبة قرب صدور القرار الاتهامي بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ودلت على وجود خطوط حمر عربية – اقليمية ودولية تمنع على اي طرف في لبنان بقلب الطاولة حتى لو كان يملك القدرة عليها محلياً. فاستيلاء تنظيم مسلح مثل "حزب الله" على لبنان بقوّة السلاح او قلب الموازين السياسية على نحو يكسر التركيبة، له مضاعفات كبيرة على الاقليم، وهو أمر غير مسموح به لا غرباً ولا شرقاً.
وللدلالة على جديّة الطرف الروسي في سياسته حيال لبنان تكفي الاشارة الى ما قاله احد المسؤولين العسكريين الروس الكبار عندما سئل عن حماية الاسلحة التي يرسلها الى لبنان لئلا تقع في قبضة منظمات خارجة على الشرعية او ملاحقة دولياً، فقال: "نحن لسنا الاميركيين. إن الجهة التي تفكر في ان تمسّ بالسلاح الذي نسلمه لأي بلد ولا سيما لبنان سوف يتم "نتفها تنتيفاً"! وكان هذا الموقف اشارة واضحة الى ان موسكو لا ترسل اسلحة متطورة وبكميات تتزايد مع الوقت، ومستعدة للسكوت اذا ما تعرضت لأي مساس خارج اطار الشرعية اللبنانية.
والحال ان قرار ارسال خبراء روس للمرة الاولى الى لبنان لتدريب جنود الجيش اللبناني على الاسلحة وخاصة الدبابات "تي 72" يزيد اضطلاع روسيا بدور الحماية للجيش اللبناني الذي يبدو ان قراراً دولياً شاملاً اتخذ لتقويته وحمايته أياً تكن الظروف الراهنة التي يمر بها لبنان. فموازين القوى الحالية على الارض التي تجعل من قوة مسلحة خارج الشرعية الطرف الأقوى لا تثني المجتمع الدولي الغربي والشرقي عن مواصلة حماية وضع الجيش لمرحلة مقبلة.
وما من شك في أن روسيا خلال محادثات رئيس الحكومة سعد الحريري مع مسؤوليها تبدي حماسة لتعزيز حضورها لبنانياً، فيما رفعت القوى الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا منسوب اهتمامها بالوضع اللبناني في ضوء ما تردد عن احتمال استيلاء "حزب الله" على السلطة في لبنان في انقلاب مسلح، مع ما يعني ذلك من مضاعفات خطيرة على صعيد التوازنات في المنطقة، باعتبار ان الأمر يجعل لبنان حكماً قاعدة ايرانية متقدمة في المنطقة، مطيحاً الامن الاقليمي – الدولي في المشرق العربي، وهذا أمر غير مسموح به. وموسكو جزء من القرار الكبير بمنع الانقلاب في لبنان من خلال الرسائل التي ارسلتها بواسطة تسليح الجيش اللبناني، وارسال خبراء عسكريين، وهذا حافز للاميركيين للتحلي بجدية أكبر في موضوع تسليح الجيش وتقويته. والرسائل المشار اليها مقدمة لرسائل أخرى سوف تبعث بها موسكو في اتجاهات متعددة في الجوار اللبناني تتعلق بالاستقرار في لبنان!