#adsense

ومن البيت أعلن اللبنانيون حال طوارئهم

حجم الخط

جرثومة صغيرة جعلت العالم كله يركع لسلطانها. بالنسبة للعالم، كشف كورونا عورة الانسان الضعيف المهزوم، مهما بدا انه يملك جبروتا وقوة تضاهي الرب. كشف كورونا انه أكبر منظومة مسلحة على الاطلاق، يفوق السلاح النووي وقادر على الفتك بالإنسان من دون دماء ولا حروب ولا نزاعات بين الدول، سلاح كورونا الاقوى هو الذعر. بالنسبة للعالم، كشف كورونا عن ان البشرية جسد هش ضعيف هزيل متهالك على نفسه مهزوم، جرثومة صغيرة حوّلته الى انسان مذعور محتجز داخل جدرانه، لا سلطة تحميه ولا مراكز ولا حكومات، مجرد انسان صغير تافه امام عظمة وهول الجرثومة.

بالنسبة لنا، نحن البلد الصغير المسكين المتهالك على ازماته، والذي تفوّق بين دول العالم كافة بفساده وانهياره الاقتصادي والسياسي، حوّلنا كورونا الى مخلوقات تائهة خائفة ضائعة، لكن في الوقت عينه، وعلى غير ما يقول كثر، جعلنا الوباء أكثر قوة وتعاضدا وايمانا، وأكثر بعد، أكثر اصرارا على مواجهة تلك الطبقة السياسية الحاكمة الخطيرة على البلاد، لكن لننتهي اولا من كورونا.

نحن الشعب اللبناني نستمد قوتنا من ضعفنا ومن ذاتنا المجرّبة بأهوال كثيرة على مر السنين، نواجه تلك الجرثومة وحدنا، وحدنا نفذنا حال الطوارئ قبل ان تعلن الدولة ما يسمى بالـ”التعبئة العامة”. نحن الشعب اللبناني عبر الاعلام والبلديات والافراد والمبادرات الفردية، اعلنّا حال الطوارئ والتزمنا بيوتنا وها نحن نستحم بالمعقمات، ونبتدع سبلنا للوقاية، بعدما لمسنا لمس اليد عجز تلك السلطة عن حمايتنا كما يجب. سلطة حتى في المرض، حتى في المرض، تذهب الى الخيارات السياسية المائعة لترضي حزبا على حساب شعب بكامله. سلطة حتى اللحظة لم تؤدِ سياستها العقيمة الا لإفقار لبنان في كل شيء، ابتداء من الاهم، اي الصحة والحياة وصولا الى الرزق وجنى العمر.

قامت القيامة، وحتى اللحظة لم تستكن الاقلام التي حاولت التعرّض لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع حين أعلن انه سيقاضي جزائيا رئيس الحكومة ووزارة الصحة ما لم يتصرّفا كما يجب، وإذا ادى الوباء الى موت الناس في الشوارع! هل في المرض والموت استنسابية ايضا، واختيار بين قوات وعوني ومستقل وحزب الله وما شابه؟! وكأن كلام الحكيم موجه الى فئة من دون اخرى. سنقاضيكم، أعلنها سمير جعجع بصراحة ومن دون كلام سياسي منمق، لان حياة الناس لا تتوقف عند حياة الزعيم او المسؤول، حياة الناس اهم من كل تلك الطبقة السياسية الحاكمة، حياة الناس هي مسؤولية المسؤولين من بعد اذن الرب.

رفضت الحكومة مطلب الشعب بإعلان حال الطوارئ، فتولى الاعلام المهمة، ففتحت ابواق الاعلام الممانع نيرانها على الاعلام المسؤول وعلى كل من يتبعه، وبدأت حملة “الصهينة” التافهة والتخوين في وقت كان بدأ مستشفى رفيق الحريري الحكومي يغص بالمصابين، وفي وقت تحتاج الناس الى قرارات حكيمة آمنة تحميهم من الوباء ولتذهب السياسة الى جحيمها.

بعد كلام سمير جعجع، جاء كلام نصرالله الذي اصدر ما يشبه التعميم للحكومة، بأن لا اعلان حال طوارئ، انما تعبئة عامة، مصطلح جديد دخل يومياتنا الموبوءة، يوحي وكأننا في بلد يحكمه نظام البعث البائد، اذ لا يناسبهم بطبيعة الحال ان يتولى الجيش السلطة اذا ما اعُلنت حال الطوارئ، لن يعجب الجمهورية الحاكمة ان يكون قائد الجيش هو الامر الناهي في هذه المرحلة، ولا يهم إن تعرّض الشعب للمزيد من اخطار الاصابة، لا يهم! لم تعانِ دولة كما عانى لبنان في ازمة كورونا. صراخ الناس منذ البداية كان لإيقاف الرحلات من البلدان الموبوءة، ولم تستمع الحكومة. يا ولاد الخير اقفلوا المعابر الحدودية والمطار، ولم تستمع الا بعدما بدأ يتضاعف عدد المصابين بالمرض، هذا من دون احتساب من يحملون الجرثومة، فقررت اخيرا اقفال المعابر البرية والجوية.

في هذا الوقت، خرجت بلديات لبنان عن اوامر الطاعة للحكومة، وبدأت تنفذ تباعا لامركزيتها الادارية. اعلنت في غالبيتها حال الطوارئ، خصوصا البلديات الكبيرة مثل زحلة وبشري وسواهما، اقفلت حدودها بوجه الغرباء. عقّمت الشوارع والمرافق العامة والكنائس والمساجد، منعت التجول، اقفلت المحال والمطاعم والمقاهي، انشأت خلايا ازمة، اقفلت الحياة في طرقاتها العامة ومؤسساتها كي تربح حياة المواطنين. فبدت البلديات والناس وكأنهم هم السلطة الفعلية هم الحكومة والجمهورية ومركز القرار ايضا.

بدايات القرن العشرين اجتاح وباء الطاعون العالم، في لبنان اعتبر الناس يومذاك انه غضب الرب انهال عليهم، فبدأوا تزنير الكنائس بالمناديل والصلاة علّ الرب يستجيب ويرفع غضبه عنهم. 2020 كأن المشهد ذاته يتكرر، وكأن الدنيا تبحث عن حالها الضائعة، فقررت ان تنتج انفجارا صغيرا كبيرا بحجم العالم وسمته “كورونا”، بلكي ترجع تلاقي انسانيتها، وها هي الدنيا كلها تكافح… جرثومة!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل