#adsense

الرئيس سليمان.. حَكم قبل أن يكون حاكماً

حجم الخط

في غمرة القصف اليومي الذي ينطلق من افواه البعض، والذي يحيل حياة اللبنانيين الى كابوس من القلق والهمّ والترقّب، عادت بي الذاكرة الى جولات الحرب المدمّرة التي كان ينطلق القصف في اثنائها، من فوّهات المدافع، واستعدت تصرّفاً، كنت، كما العديد من اللبنانيين ربما، الجأ اليه في ليالي القصف الرهيبة، حيث كنت اترقّب سقوط القذائف والصواريخ، وانا في حالة شديدة من العصبية، لا انيس لي ابادله الحديث، بعدما هرّبت عائلتي الى امكنة كنت اعتبرها بعيدة عن اهداف القاصفين، سوى شمعة وزجاجة ويسكي وحبّات من الفستق المملّح، وفي اللحظة التي كنت اسمع فيها انطلاق حمم الموت، اشعر وكأن حملاً ثقيلاً ازيح عن صدري، فأسرع الى زاوية محددة في البيت، حضّرتها سلفاً لتكون فراشي، فأدفن رأسي في وسادتي واستسلم الى النوم، واضعاً مصيري بين ايدي قوّتين، الاولى القوة الالهية لنجاتي، والثانية رحمة الصاروخ لقتلي فورا ومن دون عذاب.

لا اعتقد ان اللبنانيين يعيشون اليوم، في حالة افضل من تلك الحالة اثناء الحرب، اقلّه على الصعيد النفسي، لأن هذه الحالة تعرّف في اي زمان ومكان بأن «توقّع المصيبة اصعب من وقوعها واقسى»، فهي هاجس يعيش مع الناس في جميع خطواتهم واعمالهم وتفكيرهم، خصوصاً اذا كان ضخّ الصور السوداء لما ينتظر اللبنانيين من سوء، على هذه الشاكلة من الكثافة والترداد، وانتقاء السيناريوات المرعبة لما يمكن ان يحدث، فيما لو اشار القرار الاتهامي الدولي الى دور لبعض عناصر في حزب الله باغتيال رئيس الحكومة الاسبق الشهيد رفيق الحريري، وكأن هذه السيناريوات تتنبّأ بأن يحدث في لبنان، ما تنبّأ به اشعيا ويوحنا اللاهوتي بالنسبة الى نهاية العالم، حيث تقوم أمّة على أمّة، ومملكة على مملكة، بمعنى أن يقوم الشيعة على السنّة و8 آذار على 14 آذار، وتنهار الحكومة ويتغيّر النظام وتتعدّل الصيغة، وتصحّ عندها نبوءة من قال من جماعة 8 آذار «ان لبنان بعد القرار الاتهامي هو غيره ما قبل القرار» والأغرب في ما يعلن من «معلومات» و«نبوءات» ان العماد ميشال عون اكد منذ ثلاثة ايام ان جبل لبنان سيكون في منأى عن اي تحركات امنية، وهذا يعني ضمناً ان الواقعة ستكون بين الشيعة والسنّة، وعلى المسيحيين ان يهدأوا ويتفرّجوا على قتال الأشقّاء، وكأنهم جالية لا جذور لهم في هذه الارض، وكأنهم ايضاً يجهلون المثل القائل «اكلوا يوم أُكل الثور الابيض».

ان مطلقي مثل هذه السيناريوات، يثيرون قلق الناس وغضبهم، الى درجة انهم يتمنّون لو يصدر القرار الاتهامي ليعرفوا خيره من شره، وليحصل ما يحصل بعده، لأن الوضع الآن، ليس افضل حالاً، بوجود حكومة معطّلة، ومجلس نيابي مشلول، ومؤسسات تعمل بخمس قوتها، وغلاء يطحن الناس، ومصالح شعب ودولة معلّقة بشاهد زور لا نعرف مدى كذبه وماذا لفّق واخترع، وهل حقاً اعتمد التحقيق الدولي على شهادته الكاذبة في بناء اتهامه.

* * * * *
في هذا المجال تحديداً، لا ضير من التذكير بعلاقة الرئيس الراحل فؤاد شهاب بالشهيد كمال جنبلاط، خصوصاً عندما كان جنبلاط يتوجّه الى شهاب بعدد كبير من المطالب ويبدأ بذكرها تباعاً، فيقول له شهاب مداعباً: اقرأها من الآخر يا كمال بك، وهو يعرف ان المطالب الواردة في مقدمة اللائحة هي «لدعم» المطلب الاخير الذي قد يكون تعيين مدير عام او نقله او خلاف ذلك من المطالب التي تهم العاملين في الشأن العام.
ماذا يريد حقيقة حزب الله والتيار الوطني الحر وباقي شخصيات واحزاب تكتل 8 آذار، من مطالب تختبئ وراء مطلب محاكمة الشهود الزور؟

هل يريدون كما يقال تعديل الدستور والقوانين، بما يسمح باعطاء دور اكبر وافعل للطائفة الشيعية بصفتها الطائفة الاكثر عدداً، بحيث تصبح المثالثة امراً محققاً بين السنّة والشيعة والموارنة، مع اعادة بعض الصلاحيات البسيطة لرئيس الجمهورية الماروني، ام يريدون نظاماً جديداً يكرّس عملياً ما هو قائم على الارض من تقسيم مذهبي للمناطق، ام ان ما اتفق عليه زعماء 8 آذار في اجتماعاتهم السرّية المغلقة وقيل انه سيكون مفاجأة غير سارة لقوى 14آذار، هو المعوّل عليه وباقي السيناريوات فقاقيع صابون تخفي وراءها الهدف الحقيقي.

في واقع الحال، ان كل ما سبق ذكره لن يوصل الى اي مكان، سوى الى اقلاق الناس واتعابهم وتخويفهم، خصوصاً ان تجربة النائب وليد جنبلاط لن تتكرر مع اي من قيادات 14 آذار الآخرين، كما ان الاعتماد على الخارج لحل الخلافات الداخلية، فوق انه ينتقص من السيادة واحترام الذات، لا يمكن ان يصل الى خواتيم حاسمة، يبقى امام الجميع دون استثناء فرصة سانحة للوصول الى حل صنع في لبنان يكون بهمّة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان واشرافه، فهو قريب من الجميع ويتفهّم هواجس كل فريق، ولا يرضى بانتصار لبناني على لبناني آخر، واذا كان البعض يدعو المسيحيين الى تسليم امرهم لرئيس الجمهورية، فهذه دعوة ناقصة لأن المطلوب ان يلتفّ جميع اللبنانيين حول الرئيس سليمان، لانه بحياديته وصبره وفهمه ووطنيته قادر على اعطاء كل ذي حق حقه، بشرط ان تسلم النيّات، وتلبنن الاهداف والارادات، فهو حكم عادل، قبل ان يكون حاكماً شريفاً.
يكفي قصف الافواه والفوّهات.
 

المصدر:
الديار

خبر عاجل