أهم من زيارة الرئيس سعد الحريري لإيران في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة، البيان الختامي الذي صدر بعد انتهاء محادثاته مع المسؤولين في طهران، وجاء ليؤكد نجاح هذه الزيارة على اكثر من صعيد.
ست نقاط اساسية وردت في البيان المذكور يجب التوقف عندها ملياً، هي:
□ أولاً: بعد الاشادة بالزيارة والمحادثات والتنويه بالاتفاقات الجديدة، التي وقّعت وعددها تسع تضاف الى 16 اتفاقاً تم توقيعها في خلال زيارة الرئيس محمود احمدي نجاد للبنان، اكد البيان الرسمي عزم الجانبين على توطيد العلاقات بين الدولتين ومؤسساتهما. لقد بدا هذا بمثابة ترسيخ لدعوة الحريري الى ما سمّاه "مأسسة العلاقات بين بيروت وطهران". بمعنى اضفاء نوع من الالتزام الرسمي لعلاقات من دولة الى دولة، بعدما بدا لزمن طويل ان طهران تعتبر "حزب الله" بوابتها الالزامية الى لبنان.
طبعاً هذا لا يعني ان خاصية العلاقة مع "حزب الله" ستتغير، لكن الاعلان عن الدخول الايراني مباشرة من بوابة الدولة اللبنانية، يعطي علاقات البلدين رسوخاً وركوناً، وهو امر يرحب به "حزب الله" بالتأكيد.
□ ثانياً: تأكيد التزام ايران دعم الوحدة الوطنية والاستقرار في لبنان واستمراره وتشديدها على صيغة العيش المشترك لـ"ديموقراطية الوفاق" فيه.
فهل هذا يعني فعلاً ان طهران تلتزم دعم الاستقرار واستمراره رغم كل ما قيل ويقال عن احتمالات الانفجار والفلتان بعد صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري او حتى قبل صدوره؟
هذا سؤال دقيق ومهم له مغزاه، وخصوصاً في كل التفسيرات التي اعطيت وستعطى لكلام السيد علي خامنئي، الذي تردد انه قال للحريري ان البحث في موضوع المحكمة يرتبط بالسيد حسن نصر الله. لكن المنطق يفرض بالضرورة، ان يقول خامنئي هذا، والا اخذت الامور منحى لا تريده طهران ولا يليق بلبنان او "حزب الله"!
□ ثالثاً: مشاركة ايران لبنان في تأكيد دعم المسعى السعودي – السوري المشترك لايجاد مخرج للازمة الراهنة. وهو المسعى الذي نوّه به السيد حسن نصر الله للمرة الثانية، وليس هناك من يشك لوهلة ان ايران ليست بعيدة عما يدور وراء كواليس هذا المسعى. فلا هي تقبل بحل له علاقة بـ"حزب الله" في مسألة المحكمة الدولية والقرار الاتهامي بعيداً عنها، ولا "حزب الله" يقبل بهذا المسعى او الحل اذا لم يحظ بموافقتها.
□ رابعاً: وهو الاهم، تأكيد البيان المشترك ان ايران تساند لبنان في السعي لتحقيق العدالة واكتشاف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وعدم الاستغلال السياسي للمحكمة.
هذا التأكيد مهم جداً لانه يصدر في بيان رسمي عن الدولة الايرانية، في وقت يقول "حزب الله" ان المحكمة اسرائيلية واميركية محذراً من التعامل معها والاعتراف بها.
اما في ما يتصل بالاستغلال السياسي للمحكمة فقد حرص الحريري دائماً على القول، انه لن يكتفي برفض القرار الاتهامي اذا قام على التسييس، بل سيحاربه ايضاً.
□ خامساً: ايراد اعلان الجانب اللبناني "التزامه المبادرة العربية" للسلام، كان لافتاً تماماً، وخصوصاً ان الاعلان جاء في بيان رسمي مشترك مع ايران، التي تتبنى سياسة المقاومة والتحرير ضد العدو الاسرائيلي. اما الاتفاق بين الجانبين على دعم نضال الشعب الفلسطيني وعلى حق العودة، وعلى رفض كل المحاولات الصهيونية لفرض شروط على الانسحاب من الاراضي العربية فمن الامور المتفاهم عليها اصلاً.
□ سادساً: تأكيد دعم لبنان حق ايران في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية، ومعارضة ازدواجية المعايير لجهة ترسانة اسرائيل النووية والدعوة الى شرق اوسط خال من السلاح النووي، يأتي من صلب السياسة اللبنانية المعروفة في هذا المجال.
❑ ❑ ❑
مع ورود كل هذا في البيان الرسمي الذي توّج زيارة سعد الحريري لطهران، فإن السؤال الآن يمكن ان يطرح بطريقة اخرى:
هل البيانات الرسمية التي تصدر عن الدول عادة، هي التي ترسم بالضرورة مساراً "ملزماً" للسياسات المطبقة والمواقف العملية والتحركات التي تقوم بها هذه الدول على الارض؟
ليس بالضرورة. ففي العلاقات بين الدول هناك فرق بين البيانات والتطبيقات. ولكن من الواضح تماماً في البيان الصادر بعد زيارة الحريري لطهران، معالم تحسب ايراني عميق يحاول ان يدرأ اخطار اي انفجار قد يقع في لبنان، او يحرص على ان ينفض امامه سلفاً قميص عثمان!