"كدعواك يدّعي صحة العقل
ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل؟"
المتنبّي
في أرشيف القرن العشرين أمثلة كثيرة على ذلك، فقبل تأسيس دولة العدو عملت منظمات عدة تحت أسماء مؤقتة مثل "الأراغون" ومن بعد "شيتيرن"، وكان من مهماتها تنفيذ الملف الأسود للعمل النضالي. وبعدها تحول قياديو هذه المنظمات مثل "بيغن" و"شامير" الى رؤساء رسميين لهذه الدولة، وصفهم بعض غلاة الصهيونية بأنبياء القرن العشرين للشعب اليهودي. والمثل في الضفة الأخرى كان منظمة "ايلول الأسود" التي تولت مجموعة من العمليات الخارجية العنيفة ومن ضمنها عملية اختطاف الرياضيين الاسرائيليين في دورة ألعاب ميونيخ الأولمبية سنة 1972، والتي انتهت بكارثة معروفة على المستوى السياسي للقضية الفلسطينية.
ومع ان هذه المنظمة عملت تحت اسم مستقل وقيادة مستقلة، فإن جميع الأوساط كانت تعلم بأنها جناح من أجنحة حركة "فتح" يتولى ما يمكن وصفه بالأعمال الارهابية، في حين تبقى منظمة وحركة "فتح" في موقع القادر على التواصل سياسياً مع باقي العالم. والواقع ان العالم تناسى لاحقاَ هذه الحقبة وأصبح ياسر عرفات رئيس حركة "فتح" ومنظمة التحرير شريكاًَ في عملية التسوية وفي جائزة "نوبل" مع مناحيم بيغن.
لماذا هذا الكلام الآن؟ لأنني قرأت مقالاً لأحد الكتّاب في جريدة "الأخبار" يتحدث فيه عن تسعة خيارات لـ"حزب الله" في مواجهة تداعيات المرحلة المقبلة والمتمثلة بصدور القرار الاتهامي وبدء المحاكمات في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وفي تناغم مع ما قاله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير حول "فوات الأوان!" في حال لم تحصل التسوية، أعطى الكاتب فترة 15 يوماً قبل لجوء "حزب الله" الى أحد الخيارات أو أكثر في تعامله مع القرار الاتهامي.
لا أعلم اذا كان الكاتب اعتمد في هذا المقال على تحليلاته الخاصة، أم ان الخيارات قد أوحيت اليه من بعض قيادات "حزب الله"، ولكنه يقول في الختام: "في النهاية، بات المعلوم ان استراتيجية حزب الله في الأعوام الأخيرة تتجه الى الخارج!
وبعدما استكمل العمل داخل البلاد، أصبح هناك تمدد خارجي في الغرب وفي الشرق. وإذا افترضنا ان "الله وفّق" الغرب وحلفاءه اللبنانيين في توجيه ضربة مزلزلة لحزب الله والمقاومة في لبنان، فإن هذا سيعني ضعف القيادة المركزية للحزب واضمحلالها، ما سينعكس هزات ارتدادية في أكثر من مكان في العالم، وسنعود لنسمع حينها بـ"تنظيم الجهاد العالمي2" وقيام "حركة المستضعفين 3" وغيرها من الحركات التي لا تعمل وفق أي منطق سياسي واضح، وحينها قد يترحم على أيام حزب الله وتنظيم القاعدة معاً: علماً بأن أحد كبار القياديين في المقاومة قال امام عدد من زواره إن المقاومة تفضل المواجهة المباشرة مع العدو، على ان تواجه مشاريعه في الداخل؟!".
ويتقاطع هذا الكلام مع كلام سابق للشيخ نعيم قاسم أثناء حرب 2006 بأن "خيار العودة للعمل تحت الأرض وارد".
وللتذكير، فإن اسم حركتي "الجهاد الاسلامي" و"المستضعفين" برز في الثمانينات من القرن العشرين حين نسبت إليهما مجموعة من عمليات الخطف والتفجير التي طالت مئات الناس.
وأخطر ما نسب إليهما التفجيرات التي طالت قوات "المارينز" والقوات الفرنسية التي أتت الى لبنان بعد الاجتياح الاسرائيلي سنة 1982. وقد أدى ذلك، إضافة الى تفجير السفارة الاميركية في عين المريسة، الى مقتل وجرح المئات. لم يعرف الكثير عن هاتين المنظمتين الا من خلال الاتصالات المجهولة المصدر، والتي كانت تعلن المسؤولية عن العمليات التي تحدث ومسرحها لبنان. ويعتقد ان هذه المجموعات كانت تجتمع تحت القيادة نفسها التي أسست "لحزب الله" في أوائل الثمانينات لتقوم بالأعمال "القذرة" نيابة عنها، ولكن عندما أصبح "حزب الله" منظمة محددة المعالم ولديها التزامات ومسؤوليات تجاه الداخل والخارج، اختفت هذه المنظمات من الوجود وكان دورها أشبه بالجرافة التي مهدت الطريق أمام "حزب الله" في مرحلة التأسيس.
بغضّ النظر عن كل هذه التنظيرات والتحليلات التي لا يمكن إثباتها اليوم، فإن الخيار الذي طرحه الكاتب بعودة ظهور هذه المنظمات من جديد قد يكون فيه اتهام مباشر بمسؤولية "حزب الله" عنها في الأساس، وما تداعيات ظهورها من جديد الا عودة لبنان الى العهد الأسود في الثمانينات وتحوله عملياً إلى قندهار، لأنه، برأي الكاتب، سيترحم الناس على منظمة "القاعدة". فهل هذا ما يعد به "حزب الله" اللبنانيين بعد صدور القرار الاتهامي؟!