تجمّد المقاوم في صقيعه، فالتف من حوله جبل صنين المكلل ببياضه واخذه صوب الريح. غمر الصقيع الشباب، فتعانقا علهما يقاومان، واذ بالجماد يعانقهما ليأخذهما الى دفء الآب. خطى المناضل فوق الابيض المتراكم، اين تذهب والدني ثلوج وليل بهالجرد؟ طالع دافع عن زحلة. لبسه زمهرير التلال وتجمّد في ليله وبقيت دعساته مطبوعة على بياض الثلج الاسود. كانوا كثرا وحكاياتهم لا تنتهي. لا نقاط على نهاية السطور كما تقتضي اصول الكتابة، بل ثلاث نقاط توضع لان لا نهاية لا للحكايات ولا للتاريخ الآتي، ولا لخط الدماء العريض الذي رُصف من جبال لبنان صوب زحلة ومن زحلة صوب تلك التلال المسيجة بهم. كانوا مقاومين وشجعان، كانوا مقاتلين وشرفاء، كانوا رهبانا حملوا القضية ومشوا درب الصليب لأجل قيامة لبنان…
كان نيسان العام 1981، وصلهم نداء البشير الشهير عبر جهاز اللاسلكي “انتو بتقرروا مصير المدينة، يا بتستسلموا للسوري وبتربحوا حياتكن ومنخسر زحلة، يا بتقاوموا وبتستشهدوا ومنربح كرامة المدينة”، أجابوه على الفور “بدنا ندافع عن زحلة”. لم يلتفتوا الى اي شي، تركوا كل شيء ومشوا على جلجلة المسيح بفرح التمثّل به، المسيح الثائر الاول الشهيد الاول لأجل الانسان، حملوا الحب كل الحب وذهبوا ليدافعوا عن زحلة التي صارت بسببهم “زحلة النجم لـ ما بينطال”…
“بدّن الدبابات؟ ما رح نسلمن ياهن بدن هني يجو ياخدوهن، ما رح نعطيكن جسر زحلة بدن ياخدوا؟ بياخدوا بالقوة”، قال البشير لجيش حافظ الاسد الذي حاصر المدينة بوحشية لا تقارب. كان يملك كل شيء، كل شيء، جيشه البربري مجهز بأقوى الدفاعات وعديدهم بالآلاف. المقاومة اللبنانية بتجهيزاتها البسيطة مقارنة مع العدو، لكنها تملكت سلاحها الفتاك الذي حتى اليوم، وعند دراسة ما جرى في زحلة تلك الايام، لا يستطيع المحللون والمراقبون والمؤرخون تحديد او توصيف ما حصل، نحن الذين نعرف. ابناء زحلة يعرفون. المقاومون الذين وفدوا من كل لبنان لنصرة زحلة يعرفون الاجابة.
سلاح الشباب كان اولا وآخرا الصليب، اولا وآخرا الايمان، اولا وآخرا العنفوان، وما بين كل اول وآخر الارض والحق بالدفاع عنها والكرامة. لم يكن عند المحتل السوري اي من تلك الاسلحة، كان مغرورا من دون قضية، حاقدا على الارض الخضراء طامعا بها، متأكدا من انتصاره الكبير واذ تأتيه الهزيمة من حيث لا يتوقع. ليس من الشباب فقط، بل من نساء زحلة ورجالها المسنين والشباب، وحتى من اطفالها.
صنعت زحلة ايقونة المقاومة، كما صنعتها كل المناطق المدججة بالمقاومة اللبنانية، قنات بللا الاشرفية القاع القليعة دير الاحمر وغيرها وغيرها من قرى ومدن العز والحب والشرف.
90 يوم وليلة سطّرت زحلة أسطع الحقائق التاريخية على الاطلاق، تحولت الملاجئ الى غرف للعمليات، الى مطابخ، الى افران، الى غرف للإسعافات الاولية، لم يتمكن الزحالنة من نقل مصابيهم الى المستشفيات، فكان المقاومون يؤمنون لهم المواد الطبية الاولية لمعالجة الجرحى، والنساء والرجال يصنعون الاعاجيب الصغيرة الكبيرة ضمن الامكانيات المستحيلة.
كأنها حكايات من الاسطورة، لكنها حكايات واقعية الى درجة الالم والدمع والفخر الكبير الكبير، كل الفخر بمدينة طرّزت مقاومتها من دماء الشهداء وليس اقل من ذلك، بل الكلام لم يجد كلامه بعد للتعبير عما جرى فعلا في زحلة وعما فعله المقاومون والاهالي، وستأتي الايام وستخبر ان مدينة صغيرة هزمت وحشا، ان مقاومين اشداء طوّعوا طاغية، ان شبانا تعمشقوا تلال زحلة وجبالها بقلوب من حجم لبنان، وهزموا الة القتل والاحتلال والحقد.
“شو بدو فينا حافظ الاسد، عامل علينا اسد وهو ارنب بالجولان”، صرخت سيدة من الملجأ كانت تعد الطعام مع مئات السيدات المقاومات للشباب المقاومين، وتناقلت صوتها وصورتها الشاشات العالمية آنذاك، ولا يزال صوتها حتى اليوم مطبوعا في ذاكرة العز.
لم ينسَ العالم بأسره ان امهات الشهداء وآبائهم، لم يتمكنوا من دفن اولادهم الشهداء، فكانوا يؤخذون من دون توابيت الى مقابرهم، لان القصف المجنون العشوائي لم يسمح لهم حتى بوداع موتاهم، ولم يكونوا موتى، فشرتوا، كانوا الشهداء الاحياء، فانتظرت زحلة، أجّلت الامهات نحيبهن، والاباء حرقتهم، ومضوا مع المقاومين الى المقاومة ومساندة بعضهم البعض. من يؤجّل حزنه غير الابطال، من يرفض دمعه الساخن على ابن شهيد غير القديسين، هؤلاء كانوا كالقديسين، ابتلعوا الحزن كي لا يبتلع المحتل حتى دموعهم. هو شاء ان يذلّهم فذلوه وجرجروه الى الانسحاب، هزم الدمع المؤجل الاحتلال، فنكّس اعلامه وخرج اكثر حقدا وتصميما على الانتقام.
لا تسأل مقاوما عما جرى في زحلة في تلك الايام، لا يستطيع ان يتكلم، يبكي فخرا، يبكي لان جروح زحلة محفورة فوق عينيه، في جلده، وفي غمر قلبه انتصارا وفخرا. انظر الى صورة المقاوم المتجمد في جبل صنين وهو يحرس جرد المدينة، فأراه يتكلم “شو اخدك لفوق يا شب؟”، يرفع يده من جليد الذاكرة ويبتسم “رايح دافع عن زحلة يا ديني”…
