#adsense

نصرالله بين “ولاية الفقيه” والإجماع الوطني

حجم الخط

نصرالله بين "ولاية الفقيه" والإجماع الوطني
د. خالد الدخيل – الاتحاد الاماراتية

ذهب نصرالله بعيداً في تصوره لانقسام الشعب إلى ست فئات، كلها انهزامية إلا واحدة… ولعله تحدث بتأثير الفكرة الدينية حول "الفرقة الناجية"!

ما هي العلاقة بين عروبة بلد عربي مثل لبنان، ومفهوم ولاية الفقيه؟ يجب التنبيه أولاً إلى أن مسألة العروبة هنا هي في الأساس، وفي العمق مسألة سياسية تتعلق بالهوية الثقافية والتاريخية للشعوب العربية. أما مفهوم ولاية الفقيه فهو مفهوم ديني خالص. وهذا يجعل منه عنصراً من عناصر الهوية، لكن تحديداً هوية الجماعة، أو الشعب الذي يعتنق ويؤمن بهذا المفهوم. من ناحية ثانية مسألة العروبة بطبيعتها جامعة لكل من يعتبر نفسه عربياً بغض النظر عن جنسيته الوطنية في المرحلة الحالية، وبغض النظر عن معتقده الديني، أو المذهبي. في المقابل نجد أن الطبيعة الدينية لمفهوم ولاية الفقيه تجعل منه غير قابل لأن يكون مفهوماً جامعاً. على العكس بحكم طبيعته الدينية يكون مفهوم ولاية الفقيه مدعاة للتمذهب، ومن ثم للفرقة، وذلك لأنه مفهوم يخص مذهباً إسلامياً معيناً دون غيره، هو المذهب الشيعي الجعفري، أو الإثناعشري. هذا مع التنويه إلى الاختلافات الكبيرة بين فقهاء المذهب الجعفري حول مضمون وحدود هذا المفهوم. وبما أنه مفهوم ديني فإن الحدود السياسية لولاية الفقيه مفتوحة، في الوقت الذي تبقى حدوده المذهبية مغلقة. وهذه مفارقة طبيعية تخص الديني دون السياسي، ومن هنا كانت ولا تزال خطورة تداخل الديني مع السياسي في التاريخ الإسلامي.

لماذا مثل هذه المقدمة؟ لسببين؛ الأول لأن قضية العلاقة بين العروبة وولاية الفقيه كانت من بين أهم القضايا التي تناولها أمين عام "حزب الله" اللبناني، حسن نصرالله، وذلك في خطابه الذي ألقاه بعد انتخاب رئيس لبنان الجديد، ميشيل سليمان. اللافت هنا أن نصرالله، الشيخ المعمم، طرح هذه القضية بطريقة السياسي، وليس بطريقة الفقيه. بمعنى أنه لم يتناولها كقضية علمية، بل تعامل معها كشعار سياسي، ربما لأنه لا يملك أدوات الفقيه. المهم أنه أمام مطالبة السعودية بتعديلات دستورية تحفظ هوية لبنان العربية، أجاب نصرالله قائلاً: "انا من حزب ولاية الفقيه أوافق على تعديلات دستورية تضمن الهوية العربية للبنان …". أراد نصرالله بذلك التأكيد على أن تحالفه مع طهران، وكونه من حزب ولاية الفقيه، لا يمثل تهديداً لعروبة لبنان. وهو محق في ذلك، لكن على المستوى الشخصي والفردي الخاص به، وذلك انطلاقاً من أن المذهب الديني للفرد لا يتعارض، أو على الأقل لا ينبغي له أن يتعارض مع هويته الوطنية أو القومية. لكن نصرالله هو أمين عام "حزب الله"، الذي يمثل أحد أهم القوى السياسية الكبيرة في لبنان، وحليف إقليمي لإيران، ويعتبر الولي الفقيه الذي يحكم في إيران مرجعيته الدينية والسياسية. وبالتالي يصبح لموقفه المعلن هذا من هذه القضية تبعات نظرية وسياسية، منها أن مرجعيته ومرجعية الحزب الذي يتزعمه لا تعود إلى الدولة اللبنانية، بل إلى إيران. وهنا مكمن الالتباس. وبالتالي من الممكن أن يفهم كلام نصرالله في هذا السياق على أنه تسويق لطبيعة النظام الإيراني الذي يقوم أساساً على ولاية الفقيه. بل قد لا يكون هناك فهم آخر لما قاله نصرالله حول هذا الموضوع تحديداً. وذلك لأن ولاية الفقيه كمفهوم ديني إقصائي تتناقض رأساً مع الهوية الوطنية والقومية لأي شعب، بما في ذلك الشعب اللبناني.

الإشكالية في ولاية الفقيه أنها مفهوم سياسي معني بطبيعة الدولة، وأسلوب الحكم فيها، وهو مفهوم يستند بشكل نهائي إلى معتقد ديني يخص جماعة مذهبية بعينها. وانطلاقاً من ذلك فإن القول بأن ولاية الفقيه لا تتعارض مع الهوية الوطنية والقومية للشعب اللبناني مثلاً، يتضمن القول بأنها قد تكون في الأخير أساساً صالحاً لحكم هذا الشعب. ولعل في هذا شيئا من المبالغة في الظرف الراهن، لكن يبقى أن الربط بين ولاية الفقيه كمفهوم ديني إقصائي وهوية شعب ما هو خلط بين الديني والسياسي، وهو خلط يزيد من الشكوك في مجتمع مثل المجتمع اللبناني تقوم بنيته السياسية على تركيبة طائفية معقدة. وبحسب طبيعتها تمثل ولاية الفقيه مصدر تهديد للطوائف الأخرى، وبالتالي مصدر تهديد بتفجير المجتمع اللبناني. الخيار السياسي الوحيد في الحالة اللبنانية، هو خيار العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة وشؤونها بشكل كامل. وفي هذه الحالة يصبح التمسك بمفاهيم دينية عفا عليها الزمن، والتفاخر بها، كما فعل نصرالله، مثل مفهوم "ولاية الفقيه" الشيعي، أو مفهوم "الخلافة" السني، فيه نوع من التناقض، وربما المزايدة السياسية على أساس طائفي.

في الخطاب نفسه أسهب حسن نصرالله في الحديث عن موضوع آخر ذي صلة بفكرة ولاية الفقيه. ذلك هو موضوع الإجماع الوطني حول المقاومة. فإذا كان "حزب الله" يستند في وجوده، وفي برنامجه السياسي الى ولاية الفقيه كمرجعية نهائية، يصبح مفهوم المقاومة كما يتبناه الحزب يتحرك ضمن المرجعية نفسها. وربما لهذا السبب أخذ طرح الحزب حول المقاومة يفتقد مؤخراً إلى الإجماع الوطني، بل وربما العربي، الذي كان يحظى به من قبل. وربما لشعور الأمين العام بذلك أراد أن يقدم تبريراً يحاول من خلاله توفير الغطاء اللازم للحزب. انطلاقاً من ذلك يرى نصرالله أنه ليس هناك ضرورة للإجماع الوطني حول المقاومة. بإمكان المقاومة حسب ما يراه أن تسير قدماً، وأن لا تعبأ أو تضيع وقتها بمثل هذه القضية. انقسام الشعب، أي شعب، عندما يتعرض لمحنة الاحتلال هو أمر طبيعي، كما يقول نصرالله. أسمح لنفسي هنا باقتباس نص طويل بعض الشيء من خطاب الشيخ. يقول: "هذا الانقسام هو انقسام طبيعي وتاريخي واجتماعي وليس حكراً على لبنان، ومن نتائجه فقدان الإجماع الشعبي والوطني على أي خيار. البعض يقول ليس هناك إجماع وطني على المقاومة في عام 1982، أو ليس هناك إجماع وطني على المقاومة في فلسطين، وليس هناك إجماع وطني على المقاومة في العراق، لكن ليس هناك إجماع وطني على الحياد ولا على العمالة ولا على التعاون ولا على اللامبالاة، إذن أي خيار لا يحظى بإجماع وطني، وكل مجموعة تأخذ خيارها وتمضي وتمشي، وهذا ما حصل في لبنان…". في هذا القول كثير من التعميم، والمغالطات التاريخية، إلى جانب تجاهل خصوصية كل حالة تاريخية من حالات المقاومة. ليس صحيحاً على الإطلاق أن الإجماع الوطني لم يتحقق لأية مقاومة في التاريخ. فالإجماع الوطني حول المقاومة الفيتنامية مثلاً كان العامل الأهم والحاسم الذي حقق صمود الشعب الفيتنامي أمام الاحتلال الفرنسي أولاً، ثم الأميركي ثانياً. وذلك رغم تواضع القدرات العسكرية للشعب الفيتنامي أمام أعتى جيوش العالم. وقبل ذلك تحقق الإجماع الوطني للمقاومة الفرنسية أيام الاحتلال النازي، وللمقاومة الجزائرية أيام الاحتلال الفرنسي. من دون الإجماع الوطني لم يكن ممكناً دحر الاستعمار الغربي لبلدان أفريقيا وآسيا في أعقاب الحربين الأولى والثانية. ما يقوله نصرالله عن عدم ضرورة الإجماع الوطني للمقاومة هو موقف خطير لأنه يتضمن نفياً مضمراً للحس الوطني من ناحية، أو يقصر هذا الحس على فئة دون أخرى. والأخطر من ذلك أنه قد يجعل من الانتماء الديني، بمثل هذا الموقف، بديلاً عن الإجماع الوطني. وذلك لأن "حزب الله" الذي يتزعمه نصرالله هو حزب ديني، ويرتكز إلى فكرة دينية محضة، ومرجعيته دينية.

ذهب نصرالله بعيداً في تصوره لانقسام الشعب إلى ست فئات، كلها انهزامية، إلا فئة واحدة. يبدو أن الشيخ كان يتحدث بتأثير الفكرة الدينية التي تقول بـ"الفرقة الناجية". فحسب الفكر الديني ينقسم الناس إلى شعب كثيرة كلها في النار، إلا شعبة واحدة. يعتبر نصرالله، حسب هذا المعيار، أن "حزب الله" وأنصاره هم الفرقة الناجية. وقد أكد ذلك بمخاطبته لـ"جمهور المقاومة" بأنهم" أشرف الناس وأكرم الناس وأطهر الناس". هل يدرك نصرالله أنه بمثل هذا القول يقسم الناس، وتحديداً الشعب اللبناني في هذه الحالة، إلى أن يكون بعضهم طاهرا وبعضهم الآخر مدنسا، بعضهم أشراف، والبعض الآخر أراذل، وبعضهم كرماء مقابل بعض آخر وضيع. هذه رؤية تفتقد إلى حكمة السياسي، وإلى أخلاقية رجل الدين، لأنها تقسم الناس على أساس أخلاقي إقصائي وبغيض. نعم هناك دائماً عملاء، وخونة، وإنهزاميون. لكن هؤلاء أقلية صغيرة، لا تبرر القول بعدم ضرورة الإجماع الوطني للمقاومة. موقف نصرالله اعتراف بأن مقاومة "حزب الله" لم تعد تحظى بالإجماع الوطني. وهذا تطور سياسي مهم، لا ينفع معه هروب الحزب من مسؤولياته بمثل هذه الطروحات المغلوطة.

المصدر:
البيان الاماراتية

خبر عاجل