#adsense

لعبة توزيع الأدوار بين “حزب الله” و”التيار الحر”

حجم الخط

لا يستطيع عاقل، مهما كان محايداً، أن يرى المشهد السياسي الحالي لمن يسمّون أنفسهم بـ"المعارضة السابقة" في لبنان إلا من زاوية أنه نتيجة توزيع أدوار، أو ربما إخراج مشترك، بين "حزب الله" الذي يخوض حرباً متعددة الجبهات على "المحكمة الخاصة بلبنان" ودورها المنتظر في كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، و"التيار الوطني الحر" الذي يشن من جهته حرباً دونكيشوتية مفتعلة ضد الرئيس الشهيد وسنوات حكمه للبنان بين العام 1993 والعام 2004.

ويزيد في شبهة توزيع الأدوار هذه، واقع أن "حزب الله" يلتزم الصمت، في هذه الفترة على الأقل، حول كل ما يتعلق بالرئيس الشهيد والأدوار التي قام بها خلال الفترة الصعبة التي أمضاها في الحكم، بينما يقوم حليفه "التيار الوطني الحر" برئاسة العماد ميشال عون بمهمة الصراخ ليل نهار ضد تلك الفترة، مطالباً، كما يقول بوقاحة، حتى بنبش القبور لمقاضاة الرئيس الشهيد وأعوانه على ما قاموا به.

وهكذا، فالمشهد عبارة عن فصلين متداخلين وفي وقت واحد: مقاضاة أولى للمحكمة، يقوم بها "حزب الله"، بدعوى أنها "محكمة إسرائيلية أميركية" لا همّ لها إلا اتهام الحزب بأنه كان وراء اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، ومقاضاة ثانية للرئيس الحريري نفسه، يقوم بها "التيار الوطني الحر"، بدعوى أنه لم يفعل في فترة حكمه إلا كل ما يؤدي إلى "خراب" البلد على الصعد الاقتصادية الاجتماعية والمالية والانمائية وحتى السياسية.

هل يمكن فصل أحد الدورين عن الآخر، بل هل يمكن الظن مجرد الظن بأنهما في ما يفعلانه ليسا نتاج عملية "إخراج" ثنائي (يفضل هنا استخدام تعبير مخرج ومساعد مخرج) للمشهد الدرامي المتواصل منذ شهور في مسرحية لبنان المأسوية الراهنة؟!.

لا حاجة للقول إن حرب "حزب الله" على المحكمة، خاصة باللهجة والطريقة اللتين تتم بهما، لا تجد قبولاً ولا صدى إيجابياً لها في البيئة التي يدّعي "التيار الوطني الحر" أنه يمثلها في مجلسي النواب والوزراء، فضلاً عن السياسة العامة للبلد، مما يفترض أن يؤدي أي دور له فيها إلى مزيد من الفرقة بين "التيار" ووزرائه ونوابه من جهة وبين الرأي العام في هذه البيئة من جهة ثانية.

ولا حاجة للقول كذلك، إن هذه الحرب محكومة، في النهاية، بالفشل الكامل أو أقلّه الجزئي، كما بات واضحاً الآن (بدليل التراجع عن الدعوة إلى إلغاء المحكمة ووقف تمويلها، إلى الاكتفاء بالتبرّؤ منها أو من القرار الاتهامي، إلى القبول أخيراً بـ "تسوية" ما قبل صدور القرار) مما يفترض أن يؤثر بدوره سلباً على "التيار" في بيئته، فضلاً عن زيادة الشك بادعائه تمثيلها إن لم يكن على المستوى المحلّي الضيّق فعلى المستوى السياسي الوطني.

كما لا حاجة للقول إن "حزب الله" يحرص في هذه الفترة بالذات، وأكثر من أي فترة سابقة، على البقاء إلى جانب حليفه العماد عون وشد أزره بكل ما يملك من "طاقة" (هي في الواقع "طاقات" متعددة)، دعماً لحربه هو ضد المحكمة من جهة وإنقاذاً لحليفه في بيئته الخاصة من جهة أخرى، تحت الشعار الأثير لدى هذا الحليف.. شعار "مكافحة الفساد" الذي طالما تحدث عنه، و"الاصلاح والتغيير" الذي يضعه لافتة على باب كتلته النيابية المجموعة قسراً من هنا وهناك، على طريقة "من كل وادٍ عصا".

لذلك كله، كانت عملية توزيع الأدوار التي تجري فصولاً مكشوفة الآن، ومعها الاخراج الثنائي المتقن للمشهد المسرحي الذي يفرض على النظارة أن يتابعوه مكرهين، وهم كارهون له شكلاً ومضموناً، في المرحلة الحالية.

أبلغ دليل على ذلك، أمران اثنان في وقت واحد:

ـ صمت "حزب الله" المطبق، والمثير للتساؤل لدى كل من يسمع الخطاب السياسي لقادته ورموزه في هذه المرحلة، على قضية القيادي في "التيار الوطني الحر" العميد المتقاعد فايز كرم، بعد مرحلة لم يكن يترك فيها مناسبة إلا ويطالب بتعليق المشانق للمتعاملين مع العدو الاسرائيلي وإنزال أشد العقوبات بهم.

ـ تبنّي الحزب لكل ما يفعله وزير"التيار" شربل نحاس، ليس في ما يتصل بوزارته وزارة الاتصالات وما يُقال عن الخرق الاسرائيلي لشبكة الهاتف، فهذا حقه في سعيه إلى الدفاع عن نفسه وفي حربه على المحكمة، وإنما في ما يقوله هذا الوزير حول الفترة السابقة والوضع المالي العام للدولة، وكذلك تبنّيه لوزير "التيار" الآخر جبران باسيل في كل ما يذهب إليه في الخلاف داخل "التيار" مع الوزير السابق اللواء عصام أبو جمرة وغيره من القياديين السابقين فيه.

فالمهم أن يواصل عون أداء دوره المرسوم بدقة.. سبّاقاً إلى مقاطعة اجتماعات "هيئة الحوار الوطني" لسبب شخصي واهٍ، وغياب ممثل الحزب عن الاجتماعات إكراماً له، ومبادراً إلى انتقاد رئيس الجمهورية على خلفية اتهامات ضيعوية ضيّقة، وتأييد الحزب ضمنياً له، ولكن أولاً وقبل ذلك كله مدافعاً عن سلاح الحزب كيفما كان، ونافخاً في بوق الفتنة داخل البيئة المسيحية بدعوى اتهام البعض بالتسلح تارة، والانعزال في داخل الطائفة تارة أخرى، وخيانة مصالح المسيحيين تارة ثالثة.
… وما يفعله اللاعبان، "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، في هذه المرحلة هو أنهما يؤديان دوريهما في المسرحية المكشوفة معاً.

في المحصلة، قد ينزل "حزب الله" من على خشبة المسرح وفي جعبته حد أدنى من "التسوية" حول ما بعد القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما يمكن أن يوجه من اتهامات لأعضاء في الحزب بالتورط فيها.

لكن السؤال: ماذا سيكون يومها في جعبة "التيار الوطني الحر" من حملته الواهية والظالمة على الرئيس الشهيد ودوره الرائد في إعادة بناء لبنان بعد الحرب التي كان العماد عون نفسه في العامين 1988 و1989 فصلاً من فصولها السوداء؟!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل