هيئة الحوار لبحث الملفات الشائكة وإلا لا مبرّر لوجودها
هل ثمة مخطّط لتعطيل الدولة يجري تنفيذه منهجياً؟
قال سياسي مخضرم عاصر عهوداً عدة انه لم يشهد ما يشاهده اليوم من سياسة حمقاء وأزمة اخلاق وتسخير للضمائر، ومن خرق للقوانين والدساتير، ومن استهتار بالعدالة والقضاء. وسأل: هل يعقل ان تتعطل مؤسسات الدولة من اجل خلاف على موضوع مهما كان مهماً، وان يتعطل مجلس الوزراء ومصالح الناس لان فريقا يصر على بت ملف شهود الزور قبل اي ملف آخر وفريق يعارض ذلك ويطلب الانتقال للبحث في موضوع آخر، الى ان يصير توافق واتفاق على هذا الملف؟ وما العمل اذا اصبح ما يفعله فريق الآن قاعدة، وانْ شاذة، قد يعتمدها فريق آخر فيرفض حضور جلسات مجلس الوزراء ما لم يبت مثلا موضوع السلاح خارج الدولة وموضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، حتى ولو تعطلت مصالح البلاد والعباد، واصبحت السياسة في لبنان سياسة كيدية ونكايات والوصول بها الى هذا الدرْك والى حالة اللاوعي الوطني والى ادنى درجة في سلم المسؤولية الوطنية، لا بل تصوير لبنان بانه بلد غير قابل للحكم الذاتي بل في حاجة الى وصاية دائمة…
واضاف السياسي نفسه بوصفه هذا الزمن بالزمن الرديء، ان الاستهتار بمصالح الناس والمواطن لم يصل يوما الى ما وصل اليه اليوم، حتى في اوج الازمات السياسية والامنية وقمة الكراهية والكيدية، من تعطيل لعمل المؤسسات ولمصالح الناس. لان الطبقة السياسية في الماضي كانت تشعر بروح المسؤولية فابتدعت فكرة المراسيم الجوالة حرصا منها على هذه المصالح، وكانت الحكومات المستقيلة تستمر في تصريف الاعمال الى حد تجاوز الحدود المرسومة استنادا الى اجتهادات واسعة، فتقر مثلا الموازنة خلافا لحدود تصريف الاعمال حرصا منها على حسن سير العمل في المؤسسات وللاستمرار في تمويل المشاريع الضرورية، فيما يعمل البعض من الطبقة السياسية اليوم على تعطيل وعرقلة كل ما هو ماشي، بما فيه الموازنة، بهدف تجميد تنفيذ المشاريع والحد من زخم عملية النهوض بالوضع الاقتصادي وارتفاع نسبة النمو ومحاولة افساد ما حققته السياسة المالية والنقدية الناجحة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامه بشهادة الجميع في الداخل والخارج، والسبب هو ان الطبقة السياسية في الماضي كانت تشعر بروح المسؤولية حيال الوطن والمواطن، فيما معظم الطبقة السياسية الحالية ليس لديها هذا الشعور، بل الكيد عندما يتقدم عليها اي شيء آخر، بحيث لا تتوانى عن تطبيق سياسة "عليَّ وعلى اعدائي".
والطبقة السياسية في الماضي كانت تحترم القوانين والدساتير وتترك لكل سلطة ان تقوم بعملها في اطار الصلاحيات الممنوحة لها، فلا تتعدى سلطة على صلاحيات سلطة اخرى، فيما بعض الطبقة السياسية اليوم، ان لم يكن معظمها، يعتدي على سلطة رئيس الجمهورية وصلاحياته وسلطة رئيس الحكومة وصلاحياته، فيحدد عنهما مواعيد انعقاد جلسات مجلس الوزراء ويعدّ عنهما جداول اعمالها، حتى اذا لم يؤخذ برأيهم عطلوا هذه الجلسات وألحقوا الضرر بمصالح الناس وبمصالح الوطن العليا غير آبهين بالنتائج، وكأن لا قوانين تحكم ولا دساتير تسيّر الحكم في البلاد انما تسيّرها قوة الاقوى ليس بالحق والمنطق بل بالسلاح…
وليت هذا التعطيل وقف عند هذا الحد، بل تجاوزه الى هيئة الحوار الوطني، التي يحاول الرئيس سليمان إحياء اجتماعاتها من خلال لقاءات تشاور اجراها بالمفرّق مع القيادات، عله يتوصل الى جمعهم بالجملة في اطار هذه الهيئة حتى وإن لم تسفر اجتماعاتها عن نتائج، اذ يكفي ان تكون مكانا مناسبة لاجتماع مختلفين ومتخاصمين سياسيا او شخصيا، وتكون حتى مناسَبة ولو للتحية والسلام والكلام. الا اذا كان الفريق المصمم على التعطيل وقطع صلة الوصل والتواصل بين الزعماء اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم يربط مصير اجتماع هيئة الحوار بمصير جلسات مجلس الوزراء ومواضيع البحث فيها بموضوع ملف شهود الزور، وهو عقدة العقد التي لا تعطل مجلس الوزراء فحسب، بل تعطل ايضا اجتماعات هيئة الحوار وهي الهيئة التي كانت الغاية من انشائها البحث في الملفات الشائكة التي يعجز مجلس الوزراء عن البحث فيها، وبتها باتخاذ قرار في شأنها اما بالتوافق او بالتصويت، في حين ان هيئة الحوار هي لتبادل الآراء والافكار وللمساعدة على تقريب وجهات النظر، بحيث يصبح في امكان مجلس الوزراء اتخاذ هذا القرار. اولم يدع الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله وسواه من اركان فريق 8 آذار عند تشكيل هذه الحكومة الى وضع الملفات الشائكة جانبا، وكان المقصود يومها ملف سلاح المقاومة والانصراف للاهتمام بأولويات الناس؟ أولم يصر هؤلاء على تشكيل حكومة وحدة وطنية لانها ستكون حكومة متعاونة ومنتجة وكرروا القول، "جرِّبونا" فإذا بالتجربة فاشلة جدا وتؤكد قول البطريرك الكاردينال صفير ان حكومة كهذه لن تكون منتجة، لانها كالعربة التي يشد طرفيها حصانان، واحد الى الامام وآخر الى الوراء، وهو ما حصل، من دون الدخول في تفاصيل من الذي يشد بها الى الامام ومن الى الوراء، لان النتيجة ستبقى واحدة وهي ان العجلة مسمّرة في مكانها؟ ألم يدعُ السيد حسن نصرالله ايضا في ايام عاشوراء (كانون الاول 2009) الى "هدنة عمرها سنة لاعطاء فرصة للحكومة لتعمل وهي حكومة تتمثل فيها اغلب القوى، وان على من لا يريد ان يحقق اولويات الناس ان يستقيل منها، وألا نخترع كل يوم نزاعا او قصة جديدة"؟.
وتساءل السياسي نفسه اخيرا بأسف شديد: اذا كانت هيئة الحوار الوطني لا تجتمع للبحث في الملفات الشائكة فمتى تجتمع؟ لا بل ما هو مبرر وجودها؟ وهل ثمة مخطط تآمري يتم تنفيذه، منهجياً وتدريجاً لتعطيل عمل مؤسسات الدولة وإلحاق الضرر الجسيم بمصالح الناس لإثارة نقمتهم على الدولة وعلى العهد توصلا الى إحداث التغيير الذي ينشدون وإنْ من دون اصلاح سوى تغيير السلطة او وجه لبنان هوية ونظاماً وكياناً، واختيار نظام آخر له لا هو ديموقراطي ولا هو توافقي حتى في مفهومه السليم، بل نظام شمولي، ونظام الحزب الواحد والرأي الواحد… ليصبح هذا النظام مؤتلفا مع انظمة دول في المنطقة، فيصح عندئذ ما نسب الى الرئيس بشار الاسد في مقابلة له مع الصحافي سيمور هيرش في مجلة "نيويوركر"، وهو قوله: "ان الوضع في لبنان لن يستقر ما لم يغيروا النظام برمته"، وقول سابق لنائبه فاروق الشرع: "ان الصراع في لبنان سيستمر ما دام البعض يريد وصاية دولية". وكان النائب وليد جنبلاط سبق الجميع الى القول عام 2007: "اتوقع مزيدا من الاغتيالات، لان هناك فريقا يسعى الى تدمير كيان لبنان واني لا ارى تسوية بين نقيضين الا اذا اوقفوا ارتباطاتهم بسوريا وان المصالحة تكون مع فريق يقبل بالتنوع والتعددية وصيغة الطائف"…