لا داعي للمواربة، تكاذباً او تجاملاً، فالكثير مما أوردته الوثائق المسرّبة الى موقع "ويكيليكس" عن الدفق الكلامي اللبناني الى الديبلوماسيين الاميركيين ليس مدعاة للارتياح او التفاخر، وبعضه معيب جدا، بالاخص عندما يتعلق الامر باسرائيل. فالآراء في هذا المجال بدت غير معبرة عن خط الدولة او عن سياسة الحكومة، وانما عن التحليل الشخصي للمتكلم الذي نسي انه مسؤول حكومي وليس ناشطا سياسيا. ولا ريب في ان هذه التسريبات ستترك آثارا في النفوس، وستكون موضع استغلال لإسقاطها على محطات وتطورات وجدالات مقبلة. لكن العبرة ليست في استخدامها للتطاعن، وانما في اتخاذها منطلقا للتفكير في لجنة الحوار الوطني، مثلا، في ماهية الأزمة المعتملة منذ ما قبل العام 2005 حتى الآن.
فما علمناه من تلك الوثائق هو ما قالته شخصيات من تيار سياسي يتحاور مع الاميركيين منذ زمن، وها هي قد انفضحت من حيث لا تدري ولا تتوقع. ما لا نعلمه، ولن نعلمه ابدا، هو ما تقوله شخصيات من التيار المقابل تتحاور مع دول اخرى قد لا تكون حريصة على التدوين لكنها كثيرا ما تعمد الى تحميل الكلام ثم انزاله على افواه الأزلام، كتسريبات موجّهة للعبث بالوضع الداخلي واللعب على اعصاب اللبنانيين. وفي اي حال، يخطئ من يعتقد ان لديه ما يكسبه من وثائق "ويكيليكس" لتسجيل نقاط هنا او ادعاء ان التسريبات اكدت او كشفت ما يمكن ان يصب في مجرى الازمة الراهنة لمصلحة هذا الفريق او ذاك.
كل ما سمعناه منذ حزيران حتى الآن يدل الى ان الفريق المناوئ للمحكمة الدولية والرافض مسبقا اي قرار اتهامي سعى الى بناء اقتناع عام بأن الامر لا يعدو كونه "مؤامرة" او فصلا في مؤامرة حيكت ضد "المقاومة". في المبدأ، ومنذ اللحظة التي ولدت فيها فكرة المحكمة الدولية، كان الاغتيال محورها وهمّها الاساسي، وليس النيل من المقاومة. بعد حرب تموز 2006، واشتداد المواجهة الايرانية – الغربية، وبروز دور "حزب الله" وموقعه في هذه المواجهة، وحتى وظيفته فيها، ثم ظهور بدايات الاشتباه بعناصر من الحزب في الاغتيال لا بتسريبات اميركية او اسرائيلية وانما بمعلومات مباشرة ابلغت الى قيادته، بعد كل ذلك اذاً من الطبيعي الاعتقاد بأن اطراف المواجهة الدولية مع ايران راحت تهتم اكثر فاكثر بمجريات التحقيق وعمل المحكمة الدولية.
هل بلغ هذا الاتهام حد فبركة الاتهامات جملة وتفصيلا، ام ان اطراف "المؤامرة" وجدت امامها عنصرا جديدا يمكن استخدامه؟ احتمال الفبركة هو الاضعف، لانه سيكشف، وسيدمر صدقية المحكمة وقضاتها، ولا شك في ان الاستخدام المبني على التلفيق فقط لن يستطيع الذهاب بعيدا. هناك نقطة رئيسية في التفاهم السعودي – السوري تقوم على عدم السكوت ازاء اي قرار اتهامي هزيل وغير مهني بل سيصار الى التنصل منه. وكانت طرحت فكرة ان تشكل لجنة لبنانية للاتصال بالمحكمة الدولية، باذن من مجلس الامن، لإحاطتها بان ثمة هواجس تتعلق بالوضع اللبناني الداخلي تستدعي الاستفهام عن جملة من المآخذ والشكوك، وذلك بغية التأكد من منهجية التحقيق وطريقة تعاطي المحكمة مع القرار الاتهامي، وقد اجهضت هذه الفكرة لبنانيا، اذ اعتبر رافضوها ان هدفها ازالة الشكوك وبالتالي منح المحكمة صدقية لا يرون انها تتمتع بها الآن. ويبدو ان هذه الفكرة التي طويت عمليا كانت الوحيدة الممكنة نظريا في مرحلة ما قبل صدور القرار الاتهامي.
اما الافكار الاخرى، فتتعلق بما بعد القرار، لكن يحسن التفاهم عليها قبله لخلق مناخ داخلي يساعد على درء الفتنة، وهي تتناول آليات حوارية تبادر الحكومة ولجنة الحوار الى ادارتها، سواء في مواجهة تداعيات الاتهامات او معالجة ملف شهود الزور او كيفية التعامل لاحقا مع المحكمة، ودائما على قاعدة ان تحصين الداخل امنيا وسياسيا سيحول دون اي استغلال اسرائيلي او اسرائيلي – اميركي او ايراني للاتهامات وما بعدها.
حتى الآن يمكن القول ان "حزب الله" كسب شيئا من اللعب بمعادلة "زعزعة الاستقرار مقابل القرار الاتهامي"، اذ استدرج التدخلات العربية والدولية لتحاول ارضاءه بأي شكل، كإعادة التحقيق على اساس القرائن التي قدمها ضد اسرائيل، او تأجيل القرار الاتهامي، او التنصل المسبق من المحكمة، او الغائها. ولا يبدو اي من هذه الاحتمالات وارداً. لذلك يبقى لديه خيار زعزعة الاستقرار الذي يؤذي البلد، وبالتالي يؤذيه ايضا. فقد تكون اطراف "المؤامرة" وضعت ذلك في حسابها، اذ ان الفوضى المتوقعة قابلة ايضا للاستغلال الخارجي.
هناك معالم حل في الاطار اللبناني لمن يريد ان يعمل فيه، والا فلا سبيل آخر سوى انتظار ان يتبلور هذا الحل من توافقات الخارج وتفاوضاته، وهي بالطبع تتطلب وقتا. ولنرَ اولا كيف ستخرج ايران من مفاوضات جنيف، فهي ستصوغ رضاها او استياءها عبر الساحتين اللبنانية والعراقية.