








اممممم عبقت رائحة كعك الشعنينة ومعمول العيد. ضيعتي منهمكة منهمكة معجوقة، روائحها عطرة. لم يهزمنا الوباء، لم يتمكن من اختراق عاداتنا وتقاليدنا العتيقة الحلوة. اخترق زمننا، وبعض من اجسادنا لكنه عجز عن تطويعنا، عن إنهاكنا، عن تخلينا عن احلا ما فينا، واحلا ما فينا هو الايمان والصمود.
لم تلبس قرانا ومدننا ثيابها الجديدة لتذهب الى الكنيسة وتشعنن المسيح، ولن تمشي درب الجلجلة خلف نعشه، ولن تحمل النعش على الاكتاف في ساحة الكنيسة وتتطاول الايادي لتحصل على الورود بركة الايام. لكن فعلنا ما قد يكون اجمل بكثير وسيُكتب في تاريخ الايام بحبر لا يمحى.
تجمّعنا العيلة في بيوتنا وصنعنا كعك الشعانين ومعمول الفصح. أحد الشعنينة، لبسنا احلا ما عندنا من ثياب، تمكيجنا، زيّنا ابواب بيوتنا وشبابيكنا بأغصان الزيتون، حملنا الشموع المضاءة واغصان النخيل والزيتون، وانتظرنا المسيح في قربانه المقدس ليمر امام بويتنا ويباركها. بيتا بيتا، عائلة عائلة، باركنا الرب بحضوره، اشعلنا الشموع في بيوتنا وصنعنا مذبحا صغيرا كبيرا وجلسنا امام شاشة التلفزيون نصلي ونتناول جسد الرب بالصلاة العميقة الحارة والايمان لـ ما بيخلص، وكانت من أجمل الشعانين.
لم نتسلل مساء تحت الليل الى كنيستنا العتيقة لنصلي درب الصليب بعد شعنينة الصباح، كما كنا نفعل عادة، بل جلسنا في دفء البيت نرتل “يا شعبي وصاحبي” مع المرتلين عبر الشاشات الدينية، وكأننا في قلب الكنيسة.
بدأ اسبوع الالام، ذاك الاسبوع الذي يستفزنا لنكون الانسان الذي نتوه عنه غالبا على مدار السنة، عيون يسوع تلاحقنا حتى العظام، تعلّق على اهدابنا كمن يرمش على حب العمر كله، وكل مساء رتبة درب الصليب، لم تفتح كنيسة الضيعة ابوابها ليتسلل الاهالي في برد المساء ليندهوا على مريم “يا ام يسوع بنت الآب الاكرم، اشركينا بالام فادينا”، لكن حضرت مريم الى بيوتنا ترنّم معنا آلام ابنها. كأنها جالسة قبالتنا في زاوية البيت حيث خصصنا لها ولابنها افضل الزوايا المعطرة ورودا وشموعا وقلوبا. لم نكن نعرف ان بامكاننا استحضار الرب الينا، لم نكن نعلم ان في عمق الخوف ايمان كبير عظيم، وان الايمان لا قعر له بل آفاق لا محدودة الا في عيون يسوع.
قبل وصول الجمعة العظيمة، بيوتنا عابقة بعجقة العيد. نستقبل المصلوب بالزهور الحزينة يوما وبالشرائط البيضاء في يوم آخر. ستات الضيعة لا يقبلن ان يغيرن أي من عاداتنا الحلوة “بدنا نعمل بركة العيد لو شو ما صار، ما بيكفينا المرض وزربة البيت ومش عم نروح ع الكنيسة وبدنا نقعد بالبيت زعلانين؟ بدنا نحتفل بالمسيح لو شو ما صار”، تقول ام جوزيف.
بيتا بيتا تعبق رائحة المعمول في ازقة الضيعة. امممم يا إلهي شو طيبة هالريحة “ع البركة ام هاني. شو يا نهى كيف هالمعمولات معك؟ طلعت العجينة ام بترا؟” لكل بيت سؤال ومن كل بيت تذوّق ولو من النافذة “يخرب بيت هالوبا لـ منعنا نتشارك بالحلو والمر كمان” كلام من غضب ستات الضيعة اللواتي اعتدن العونة في تحضير حلويات العيد “معليش ام نديم بكرا بتفرج”، وفي المساء افتح باب بيتي واجد عند الباب صحون المعمول من ستات الضيعة “انت بتعمليش معمول خلي الاستاذ اديب يدوق بركة العيد”…
لن يستنفر رجال الضيعة ليكونوا تلاميذ المسيح ليلة خميس الغسل، ولن اسارع قبلهم انا والقندلفت ريما، الى الكنيسة لنلبسهم الاثواب الطويلة المستوحاة من زمن المسيح، لكن سنذهب ليلا الى مذبح الرب حيث يُصمد القربان المقدس، والمسيح يحب صلاة الليل لانها اكثر صفاء وعمقا. يحب السكون لانه يسمع من خلاله صراخ الانسان، في صلاة الليل نقاء كثير من نقاء السماء ونقاء الصمت المهيب…
صباح الجمعة نذهب الى الحقول لنقطف زهرة “ديك الحجل” زهرة يسوع التي تزين قبره ولا تنبت الا في موسم الصوم سبحان الله. لن نمشي خلفه برؤوس منحنية حزنا مرفوعة الهامة كرامة وعزا، بل نركع امام المصلوب في منزلنا، ونصرخ مع مريم “انا الام الحزينة وما من يعزيها”. في الضيعة، يوم الجمعة العظيمة، طبخة واحدة موحدة لا تتبدل عبر السنين “الزنكل بالخل” تلك الكريات الصغيرة المصنوعة من اللقطين والبرغل، والمغمسة بشراب الحصرم والخل. عند الثانية عشرة ظهرا وقبل ان نفطر نشرب كرعة خل تماثلا بالمسيح الذي حين عطش اشربوه الخل بدل المياه. عند الثالثة بعد الظهر نحمل باقات زهورنا الصغيرة ونضغها عند قبر المسيح ونعرف انه مضاء سلفا بالقيامة. السبت الساعة 12 ليلا، تقرع ضيعتي اجراسها معلنة قيامة الرب ويهرع شباب الضيعة للتناوب على تربيع الجرس “بالكنيسة ربنا مش رح يخلينا ننصاب بالمرض”.
ويوم الاحد سنقف عند ابواب بيوتنا ننتظر الصليب المزين بالشريط الابيض، يعبر بنا في الساحات، يبارك الوجع والالم والامل ويصرخ فينا جميها لا تخافوا، لا تستسلموا، لستم لوحدكم، انا النور والحق والقيامة. “المسيح قام المسيح قام هللويا”…
