المجتمع الدولي يرصد التعهّدات السورية وسط مخاض تأليف الحكومة
الإستعانة بالوساطة القطرية تعكس خللاً في الالتزامات
مع الاقرار المحلي والاقليمي وحتى الدولي بالدور الايجابي الذي اضطلعت به قطر في التوصل الى اتفاق الدوحة، يبرز احتمال التدخل القطري مجددا من اجل حل عقد تأليف الحكومة، اذا صح ان المسؤولين اللبنانيين يقبلون به على رغم عدم وجود نية قطرية للدخول في تفاصيل تأليف الحكومة وإن من باب المساعدة، ولا نية لطلب هذه المساعدة لا لدى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ولا لدى رئيس الحكومة المكلف فؤاد السنيورة. فالاستعانة مجددا بالمساعدة القطرية يكتسب طابعا بالغ الخطورة على لبنان لان ذلك يعني عدم قدرة اللبنانيين على بت اي من امورهم وتاليا تأكيد حاجتهم المستمرة الى من يدير امورهم على ما كان يقول السوريون خلال زمن وصايتهم الطويلة على لبنان. وهو امر مهين من زاوية عدم اظهار الزعماء اللبنانيين اي قدرة على التعاون والاتفاق من دون رعاية خارجية وحتمية تقحم الخارج في كل تفصيل من تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية.
والاستعانة مجددا بالوساطة القطرية يعني ان ما جرى في الدوحة بقي سطحيا وان لا ارادة لدى الافرقاء لحل الازمة الداخلية لا من اجل المواطنين ولا من اجل مصلحة لبنان، وهم ينوون متابعة المعركة التي نقلها اتفاق الدوحة الى مرحلة جديدة ليس الا على الصعيد السياسي، مفسحين في المجال تاليا امام توترات امنية متنقلة. ثم اذا كانت ثمة حاجة فعلية الى تدخل قطري فيعني ذلك ان موضوع الحكومة كما موضوع رئاسة الجمهورية هو موضوع اقليمي وان المساعدة القطرية مطلوبة من اجل تذليل الاعتراضات السورية وان كانت غير ظاهرة عبر حلفائها المباشرين، خصوصا ان العقبة الرئيسية توضع في خانة العماد ميشال عون الذي يطالب بخمس حقائب وزارية فعلية اي من دون وزارة دولة، فضلا عما يتردد عن اعتراض "حزب الله" على توزير الوزير الياس المر واعطائه حقيبة الدفاع. ذلك ان التجربة خلال الاشهر الماضية اظهرت ان مواقف القوى الشيعية غالبا ما وقفت وراء الاعتراضات التي كان يسوقها رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا بذريعة عدم القدرة على اقناعه بتذليلها. وهناك كثر لا يستبعدون تكرار السيناريو نفسه اذا استمرت عراقيل التأليف الحكومي، خصوصا اذا استدعت هذه العراقيل تدخلا قطريا جديدا ما لم يكن عون يرفع السقف على طريقته، وفق ما يعتقد كثيرون، من اجل تحصيل اقصى ما يمكنه تحصيله وكذلك من خلال وضع "الفيتوات" على الآخرين. وعند ذلك ستكون هناك قدرة لدى حلفائه على اقناعه بضرورة خفض المطالب والتعاون من اجل اخراج الحكومة الجديدة الى النور، علما ان العقبة الحكومية لا تكمن في مطالب العماد عون وحده اذ هناك مشكلة المقاعد المسيحية ككل وكيفية ارضاء الجميع، الا ان هذه المطالب تبقى العقدة الابرز نظرا الى الاعتقاد ان المسألة الاخرى اقل تعقيدا ويمكن معالجتها بسهولة.
في اي حال، تعتقد مصادر ديبلوماسية ان احتمال الاستعانة بالمسؤولين القطريين يعني ان اتفاق الدوحة يشهد عدم التزام من المعنيين به الداخليين والخارجيين. واذا صحت الحاجة الى وساطة قطر مجددا فربما يعيد بعض الافرقاء النظر في مواقفهم، علما ان الكلام على الجزء الآخر من الصفقة المتعلق بتسليم سوريا باقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان وترسيم الحدود بينهما قد سرب الى الاعلام على قاعدة التزام الجزء المتعلق بالطرف السوري في هذا الاتفاق. فهذا الجزء مكمل للجزء اللبناني الداخلي من اتفاق الدوحة. والكلام الذي تزايد في اليومين الاخيرين على نية سوريا اقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، وحين يقول الرئيس السوري ان ذلك يعود الى العامين الماضيين، فانما يتصل في الواقع بكل العهود التي قطعها الرئيس السوري امام كل زواره وكان من بين آخر هذه الالتزامات التعهد امام وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، الذي كان يتوسط مع سوريا من اجل تسهيل تنفيذ المبادرة العربية، ان سوريا مستعدة لاقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان وترسيم الحدود، ولكن بعد حصول المعارضة على الثلث المعطل في الحكومة وانتخاب العماد سليمان رئيسا. وهو التزام يأخذه المجتمع الدولي على محمل الجد والمتابعة منذ صدور اول التقارير عن الامين العام للامم المتحدة كوفي انان على اثر الانسحاب السوري عن تنفيذ القرار 1559، اذ طالب انان سوريا بالاعتراف بلبنان سيدا مستقلا وباقامة علاقات ديبلوماسية معه وترسيم الحدود بين البلدين. وتفيد المعلومات من نيويورك ان ما سرب عن نية سوريا تطبيق ما تعهدت به في هذا الاطار يكتسب اهمية بالغة لان الوضع لم يترسخ بعد، لا من حيث تأليف الحكومة ولا من حيث بدء عملها، وهي تراقب الوضع على قاعدة محاولة معرفة اذا كان هذا الوضع سيؤثر في هذه الخطوات التي ستكون تاريخية بكل معنى الكلمة، وذلك باعتبار ان سوريا هي الدولة الوحيدة التي لا تقيم مع لبنان علاقات ديبلوماسية مع دولة جارة لها مؤسسة لجامعة الدول العربية وعضو في الامم المتحدة. ثم ان التزام هذه الخطوات سيعطي دفعا للعهد الرئاسي الجديد وللوضع في لبنان، كما يعني ان سوريا خرجت من حدادها على خروج قواتها العسكرية من لبنان وتخطت مشاعرها وربما ايضا نضجت بعض الشيء.