#adsense

“المستقبل”: فايز كرم والفضيحة الوطنية… من التوقيف إلى التوسع في التحقيق

حجم الخط

كتب فادي شاميّة في صحيفة "المستقبل" الصادرة في 10/12/2010:

في وقت سابق من العام الجاري، بدأ المحققون في "شعبة" المعلومات مرتاحين لما أنجزوه (تفكيك 28 شبكة عملاء)، فهو غير مسبوق في تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي، سواء في لبنان أو غيره، لكن خبرتهم التي اكتسبوها في تعقب الاتصالات، وفي التحقيق مع الموقوفين، جعلتهم يقتنعون بأن الذين أوقفوا، سواء من خلالهم أو من خلال أجهزة أمنية أخرى، ليسوا كل ما زرعه العدو في لبنان (العدو نفسه صرح بذلك)، خصوصاً أن "بنك الأهداف" المحتملة ما زال غنياً. وقد كانت الشبهات تحوم حول عدد من الخطوط الهاتفية، التي تبين فجأة علاقتها بالقيادي في "التيار الوطني الحر" فايز كرم، بعدما اتصل الأخير بأحد العملاء الفارين.

كان من الضروري مراكمة الإثباتات وتأكيد الشبهات، فالشخص ليس عادياً، وموقعه السياسي في تيار العماد ميشال عون ليس بسيطاً، وفي الأصل فان عون ـ وتياره ـ لا يكنّ وداً لـ"شعبة" المعلومات، فكيف إذا أوقف كرم، وتبين أن الشبهات غير أكيدة؟!.

وما لبثت أن تطورت الأمور باتجاه آخر، فقد حاول كرم التواصل مع العقيد وسام الحسن، بحكم موقعه السياسي، وكان الهدف من وراء ذلك اطمئنان كرم إلى أن لا شبهات تحوم حوله من جهة، وأخذ ما أمكن من معلومات حول نشاط "شعبة" المعلومات في ما يتعلق بالعملاء من جهة أخرى، وقد تجاوبت "شعبة" المعلومات مع كرم واستدرجته، وعندما اكتملت لديها الأدلة والقرائن ألقت القبض عليه.

تم التوقيف ـ الذي استُغلت فيه رغبة كرم بالتواصل مع "المعلومات" ـ مساء الثلاثاء 3/8/2010، ومباشرة قامت "المعلومات" بالاستحصال على إذن من النيابة العامة لتفتيش منزل الموقوف في ذوق مكايل، فيما كانت قيادة قوى الأمن الداخلي تتصل بالعماد ميشال عون، وبالرؤساء الثلاثة لإبلاغهم توقيف كرم، بناءً على قرائن قوية، طالبة إمهالها ساعات لإطلاع المسؤولين على النتيجة الأولية للتحقيقات.

وسرعان ما اعترف كرم أثناء التحقيقات، كاشفاً أنه كان يلتقي مشغليه في بعض الدول الأوروبية، وأن علاقته بالإسرائيليين ممتدة لسنوات عديدة سابقة، وأنه زوّد "الموساد" بمعلومات محددة عن "حزب الله"، وعن مسؤوليه، وعن لقاءات العماد عون بالسيد حسن نصر الله، من بينها معلومات دقيقة خلال حرب تموز 2006.

نقلت هذه الإفادات إلى الجهات الرسمية وإلى العماد ميشال عون، وأحيط "حزب الله" علماً بذلك. وإزاء صدور الخبر في الإعلام، اضطر عون لمواجهة الموقف بكلام معقول قال فيه: "السقوط من طبيعة البشر، ومن رسل السيد المسيح الذين اختارهم بنفسه سقط 25%، توما سقط بالشك، وبطرس سقط بالخوف ويوضاس سقط بالإغراء". وأضاف: "ما يصدمنا ليس الحدث بحد ذاته، بل الشخص، في حال إدانته. ولكن ما حصل لن يؤثر على ثقتنا في أنفسنا أو في الآخرين، ولا نزال على المواقف نفسها، بل أقوى، وسنكمل مسيرتنا".

وفي 9/8/2010 ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر على كرم، وعلى شخص فار، تبين أنه على صلة بكرم، هو الياس كرم، و"كل من يظهره التحقيق"، وذلك في "جرم التعامل مع مخابرات العدو، ودس الدسائس لديه، ومقابلة ضباطه في الخارج، ومتابعة إعطائه معلومات هاتفياً، وتزويده معلومات عن حزب "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" والأحزاب الأخرى، وعما يدور في اللقاءات والاجتماعات المغلقة التي كانت تعقد بين قادة الحزبين المذكورين، وكوادرهما، مقابل تقاضي مبالغ من المال، وحيازة أسلحة"، وأحاله مع الملف على قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا.

بتاريخ 14/8/2010 أعيد كرم إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي للتوسع في التحقيق معه. في هذه المرحلة بالذات بدأ خطاب عون يتخذ منحى هجومياً، ومتصاعداً، خلافاً لموقفه الأول؛ ففي 6/9/2010 شن هجوماً حاداً على رئيس الجمهورية، ضمّنه هجوماً على من أسماهم "أجهزة أمنية غير شرعية تقوم بخطف الناس"، وذلك على خلفية توقيف فايز كرم.

ووسط حملة لم تهدأ منه ومن نواب التيار على "شعبة" المعلومات، أطلق عون من زغرتا، في 21/11/2010 حكمه ببراءة فايز كرم، وإدانة "معتقليه"، قائلاً: "كرم ليس مذنباً وقضيته تأتي في الإطار السياسي"، وذلك وسط تصفيق محازبيه، ورفع صور عملاقة لفايز كرم نفسه!.

استتبع ذلك بسؤال وجهه النائب نبيل نقولا إلى الحكومة بشأن ملابسات توقيف كرم، سأل فيه عن شرعية "شعبة" المعلومات!. وأحال وزير العدل السؤال على النيابة العامة التمييزية وهيئة التفتيش القضائي لإجراء المقتضى.

وبتاريخ 2/12/2010 رد النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا بأن كرم اعترف طوعياً، ولم يتعرض لتعذيب. أما في ما يتعلق بشرعية "شعبة" المعلومات، فقال ميرزا انها "تعتبر من القائمين بوظائف الضابطة العدلية بحسب القانون، وما قامت به لا يختلف عما قامت به لجهة كشف 28 عميلاً وتوقيفهم في فترة ستة عشر شهراً". واشار إلى أن القول بعكس ذلك يؤدي حكماً إلى إطلاق باقي العملاء الذين أوقفوا وحوكموا. وضمّن ميرزا رده توضيحاً للجوانب القانونية كافة، واستغراباً لـ "توجيه مثل هذا السؤال إلى الحكومة لتتولى الإجابة، بدلاً من مراجعة القضاء الصالح، لتقديم الدفوع أو الطعون المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات الجزائية"، وذلك في رد استباقي على ما كان ميرزا يتوقعه من هجوم عليه (وبالفعل فقد اعتبره نقولا "فاسداً"، وأنه "خرق سرية التحقيق وعليه الاستقالة"، واعتبر رده "مخالفاً للأصول"، لأن السؤال موجه إلى الحكومة وليس إليه).

من الواضح أن عون قد وضع نفسه في الزاوية، مضيّقاً الخناق على نفسه، في حين كان يسعه ترك مسافة بينه وبين كرم، خصوصاً أن الجهة الأمنية المعنية بتوقيف كرم لم تبخل عليه بالمعلومات، من الساعة الأولى للتوقيف، كما أن محامي كرم "مارس حقوقه وحضر جلسة الاستجواب الأولى بعد 8 أيام على التوقيف الاحتياطي، حيث نفى العميد كرم تعرضه لأي نوع من أنواع الضغط أو التهديد لدى استجوابه من شعبة المعلومات، كما تقدم وكيله بطلب المواجهة، وأجيب إلى طلبه فوراً، وبشكل شبه يومي، له ولأفراد عائلة العميد كرم"، كما جاء في البيان الصادر عن القاضي ميرزا. وإضافة إلى ذلك فإن "حزب الله" على اطلاع كامل على اعترافات كرم، خصوصاً أن خطورتها تصل إلى الأمن الشخصي للسيد حسن نصر حسن الله نفسه، وأن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر ادعى على كرم فعلياً في 9/8/2010، وأن القاضي ميرزا أصدر بياناً واضحاً حول "ثبوت الاتهام"، أتبعه المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء أشرف ريفي ببيان مشابه (بغض النظر عن الملابسات الشكلية للبيانين، وما إذا كان يحق لميرزا وريفي النشر في الإعلام).

مع ذلك كله، فقد مارس إعلام عون دعاية سياسية خطيرة على تيار عون نفسه، قبل أي فريق سياسي آخر، لسبب بسيط هو أن هذه الدعاية ـ كما المواقف السياسية ـ ربطت التيار كله بكرم، بحيث صارت سمعة التيار من سمعة كرم! إضافة إلى أن مواقف عون ونواب تكتله وصلت إلى حد إصدار أحكام بالبراءة رغماً عن اعترافات كرم، ورغماً عن القضاء كله، وإفادات المحققين ـ التي باتت علنية ـ (وتهديدهم بنشرها في الإعلام بالصوت والصورة)، ما جعل عون وتياره في مواجهة الدولة كلها، في قضية خاسرة، ولا تشرّف أحداً، ومن المتوقع أن تنعكس سلباً على صورة التيار أمام جمهوره، وعلى علاقة كوادره بقيادتهم.
وإزاء هذا الواقع، يحضر التساؤل عن أسباب هذا الخطأ "الاستراتيجي"، الذي يرتكبه عون بقرار واعٍ منه. ويبدو أن ثمة تفسيرين اثنين لذلك:

1ـ ورود معلومات إلى عون أن كرم، في مرحلة التوسع بالتحقيقات، قد ورطه معه، مدعياً معرفته بعلاقته مع الإسرائيليين (بغض النظر إن كانت هذه الادعاءات صحيحة أو أن كرم قد أدلى بذلك أصلاً)، الأمر الذي دفع عون الى القيام بهجوم استباقي بالصورة التي قام بها. (سبق لغير وسيلة إعلامية أن تحدثت عن ذلك تفصيلاً ما دفع منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد إلى توجيه سؤال إلى عون في 23/9/2010 مطالباً إياه بـ "وضع حد للالتباس الحاصل حيال معرفته بعلاقة كرم بإسرائيل أو عدمها").

2 ـ شعور عون بأن اللحظة السياسية مناسبة للاستقواء على الدولة، وعلى "شعبة" المعلومات على وجه التحديد، في ظل التعطيل الذي يصيب أجهزة الحكم، واشتداد الأزمة السياسية، وحاجة "حزب الله" إلى حليفه عون، وبحيث تؤدي الحملة السياسية والإعلامية إلى ابتزاز سياسي، يؤدي إلى "تسوية" يريدها عون في موضوع كرم.

اللافت في حملة عون على قوى الأمن الداخلي، أنها تتخذ من قرينة البراءة دثاراً، متجاوزة الاعترافات والإفادات والإحالة على القضاء، لكن إذا كان من حق أي كان أن تكون قرينة البراءة إلى جانبه وصولاً إلى مرحلة النطق بالحكم، أفليس من باب أولى أن تكون قرينة البراءة من الاتهام بالتعذيب والكيدية السياسية إلى جانب رئيس الجهاز الذي حقق مع كرم؟! وهل يصح لمن يلقي المحاضرات في وجوب احترام قرينة البراءة أن يتهم أشرف ريفي أو وسام الحسن بالفساد والإجرام والتآمر في فبركة الاتهامات من دون أي دليل، بل باختلاق وقائع، لاتخاذها دليلاً ينسف الانجاز ويحوله إلى اتهام، ثم يبنى على ذلك للمطالبة باستقالة ريفي والحسن… أو حتى الإقالة؟!. مهما كانت اعترافات كرم قاسية، فإنها بالتأكيد لن تكون أقسى من هذه الفضيحة الوطنية التي نشهدها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل