غيوم الحرب تتبدّد فوق الشرق الأوسط
باتريك سيل- الحياة
يبدو أن منطقة الشرق الأوسط المتوتّرة بصدد الدّخول في مرحلة هدوء نسبي. قد لا يكون الأمر اكثر من هدوء موقّت، إلا أن سكّان المنطقة المتعبين كثيراً يرحّبون به بعد ان أنهكت قواهم خلال السنوات الماضية.
ولعل التطوّر الأهم يتمثّل بازدياد التوقعات حول تراجع احتمال ضربة عسكرية أميركية إسرائيلية ضد إيران. فقد أبقى الخوف من احتمال توجيه هذه الضربة، ومن ارتداداتها الإقليمية والعالمية الكارثية المتوقّعة، المنطقة في حالة من الاستنفار المقلق.
لماذا تبدّد هذا الخوف؟ يكمن السّبب الرئيسي في الاضطراب الذي تتسم به السياسة الأميركية والإسرائيلية. فالرئيس الأميركي جورج بوش الابن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، سقطت صدقيتهما بشكل واسع. وأمسى الرئيس بوش ضعيفاً في الأشهر الأخيرة من ولايته التي تدعو للأسف والانتقاد، في حين أن أولمرت مهدّد بفضيحة فساد كبيرة قد تطيحه من منصبه في غضون أسابيع.
يعتبر كل من بوش وأولمرت «قائد حرب» فاشلاً، اذ يفتقران إلى السّلطة أو الدعم الداخلي الضّروريين لقيادة بلادهما إلى نزاع كبير آخر. ومن المحتمل أن تتزامن الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة الأميركية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) مع الانتخابات المبكرة في إسرائيل في الشهر نفسه. ويتلهّف الشّعبان في البلدين لإجراء تغيير في رأس هرم السلطة.
في هذا الصدد، يسلّط كتابان مؤثّران الضّوء على مشاكل بوش. فقد اتّهم سكوت ماكليلان، الناطق الرسمي السابق باسم البيت الأبيض، بوش باستخدام الدعاية والخداع لدفع أميركا إلى «حرب غير ضرورية» في العراق، في حين أن ريتشارد كلارك، وهو مستشار رئاسي سابق في مسائل مكافحة الإرهاب، دعا أميركا إلى اختراق «دوامة كوارث الأمن القومي» التي يتسبّب بها بوش. بعبارة أخرى – ورغم محاولات المحافظين الجدد اثارة الحماس للحرب ضدّ إيران – فان الجوّ السياسي في الولايات المتحدة الأميركية ليس ملائماً لذلك.
أما السبب الآخر المهم الذي يقف خلف تبدّد خطر اندلاع حرب، فهو ان الاتهامات الأميركية والإسرائيلية العالية النبرة – والتي غالبا ما تلامس حدّ الهستيريا – بأن إيران تطوّر أسلحة نووية، لا تزال اتهامات تفتقر للإثبات. وقام رئيس الوزراء الروسي الجديد، فلاديمير بوتين، بإضافة كلمته التي لها مفعول التهدئة والتأثير إلى الجدل القائم، فخلال زيارة قام بها إلى باريس في الأسبوع الجاري، سُئِِلَ عما إذا كان يعتقد أن إيران تسعى لامتلاك أسلحة نووية. فأجاب: «لا أعتقد. فما من أمر يشير إلى ذلك. الشعب الإيراني فخور بنفسه. يريد التمتّع باستقلاله واستخدام حقه الشرعي في امتلاك الطاقة النووية لأغراض سلمية. أتمنى أن أكون واضحا في هذا الشأن، فقانونياً لم تخرق إيران أي حظر حتى الآن. وهي تملك حقّ تخصيب اليورانيوم». (صحيفة «لوموند»، 1-2 حزيران(يونيو) 2008»).
إلا أنه أضاف أن روسيا عارضت، من حيث المبدأ، أن تمتلك إيران أسلحة نووية، وستلجأ إلى الوسائل الممكنة كافة لمنع انتشار الأسلحة النووية. وقال: «استخدام الأسلحة النووية في منطقة صغيرة كمنطقة الشرق الأوسط هو بمثابة الانتحار». «لمصلحة من يعود هذا الأمر؟ لمصلحة الفلسطينيين؟ عندئذ، قد يختفي الفلسطينيون من الوجود…».
وتجدر الإشارة إلى أن المبالغة الخطابية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد – ولا سيما تكرار توقعاته القائلة بزوال إسرائيل الوشيك – قد تصبح من الماضي، بما أنه من المحتمل أن يواجه تحديا بارزاً من قبل علي لاريجاني، وهو رئيس المجلس الأكثر براغماتية والأقلّ شعبوية، خلال الانتخابات الرئاسية في الربيع المقبل.
ومن أسباب تبدّد غيوم الحرب أيضا، الاعتماد المتزايد للولايات المتحدة الأميركية وجزء كبير من الدول الصناعية على دول الخليج – ليس فقط بسبب إمدادات النفط، الذي يسجّل سعره أرقاما قياسية، إنما أيضا بصفتها مصدر تمويل في ظل مرحلة تواجه فيها المصارف الغربية والمؤسسات المالية أزمة ائتمانية غير مسبوقة.
وقام وزير الخزانة الأميركي هانك بولسون خلال الأسبوع الجاري بزيارة إلى المملكة العربية السعودية وقطر وأبوظبي في محاولة لطمأنة هذه الدول الغنية بأن الولايات المتحدة الأميركية ترحّب باستثماراتها. وقال إن دول مجلس التعاون الخليجي تؤمن 18 في المئة من صادرات رؤوس الأموال العالمية، أي ضعف حصتها من هذه الصادرات منذ خمس سنوات. وأضاف أن نسبة عمليات الاستحواذ الخليجية في الولايات المتحدة الأميركية خلال السنتين الماضيتين ازدادت بما يزيد عن 100 في المئة، كما ارتفعت قيمتها الى ما يزيد عن 400 في المئة.
ومن شأن تدفّق النفط ورؤوس الأموال من منطقة الخليج، الضروري لصحّة الاقتصاد الأميركي، أن يتأثر بشكلٍ فادح في حال حدوث أي مواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فكيف اذا وصل الأمر الى حرب شاملة؟
لقد كانت للجوّ العام الإقليمي الذي أخذ يتحسن في الشرق الأوسط ارتدادات إيجابية، وهذا وجه غير مألوف في هذه المسألة، وتولّت الدول المحلية ترتيب هذا الجو، بدل القوى الخارجية. وبدا الأمر وكأن الشرق الأوسط – بعد أن خاب أمله من اتحادٍ أوروبي منقسم وولايات متحدة منحازة كلّيا لإسرائيل – قد قرّر أخذ مصيره بيده.
وبالتالي، نجحت دولة قطر الصغيرة إنما المؤثرة في التوسط للوصول إلى اتفاق بين الأطراف اللّبنانيين المتنازعين في 21 أيار (مايو)، ما أدى إلى انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيسا للجمهورية بعد أربعة أيام من إبرام هذا الاتفاق.
وفي ظل احتفال اللّبنانيين بنهاية الأزمة الطويلة الأمد، اتصل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالرئيس السوري بشار الأسد ليهنّئه على مساهمة سورية الإيجابية من وراء الكواليس، ما يضع بالتالي نهايةً للنفور الديبلوماسي بين الدولتين. كما نقل عن ساركوزي قوله إن «فرنسا تعترف بحق سورية المشروع في هضبة الجولان».
ومن شأن هذا التصريح أن يذكّر الإسرائيليين، ولا سيما لوبي المستوطنين، أن الانسحاب من الجولان هو الثمن الذي لا بدّ لإسرائيل أن تدفعه إذا أرادت السلام مع سورية. وتتولّى تركيا حاليا دور الوسيط في محادثات غير مباشرة بين إسرائيل وسورية في أنقرة وسط استياء أميركي واضح.
في هذه الأثناء، تمتّع الرئيس الأسد خلال الأسبوع الجاري بجولة خليجية يبدو أنها ناجحة – وفي ذلك إشارة أخرى إلى أن دول الخليج تقاوم الجهود الأميركية التي تسعى لتعبئتها ضدّ المحور السوري الإيراني.
ومن إشارات الانفراج الأخرى عملية تبادل الأسرى المعلن عنها بين إسرائيل و «حزب الله»، إلى جانب الوساطة المصرية المستمرة بين إسرائيل و «حماس» على أمل التوصّل إلى هدنة بينهما. ويهدف ذلك الى تحرير مدن النقّب التابعة لإسرائيل من استهداف الصواريخ الفلسطينية المتفرقة، ووضع حد لمعاناة سكّان غزة الذين يتعرّضون للقصف والتعذيب والحصار من قبل إسرائيل في إطار ما يمكن أن يعتبر أسوأ انتهاك لحقوق الإنسان في الكرة الأرضية اليوم.
هل أصبحت الأمور بالتالي على خير ما يرام في منطقة الشرق الوسط المتوتّرة؟ هل بدأ السلام ينتشر؟ هل يمكن للصحافيين والديبلوماسيين أن يعودوا أدراجهم؟ للأسف، الأمر بعيد عن هذه الحقيقة. فالنزاع العربي الإسرائيلي يستمر في بثّ سمومه في المنطقة وخارجها.
قد يكون أولمرت شارف على الرحيل، إلا أنه أعلن في الأسبوع الجاري – عشية زيارته للولايات المتحدة الأميركية الحليفة – بناء 800 منزل جديد للمستوطنين في القدس الشرقية، مظهرا بذلك أن محادثاته مع رئيس السّلطة الفلسطينية محمود عباس، هي مجرد مهزلة سيئة.
كما أعلن أولمرت أن القدس الموحّدة ستكون تحت سيطرة اسرائيل الى الأبد، وكأنه غير مدرك أن سياسته التوسّعية المستمرة تسرق من الفلسطينيين أملهم بإقامة دولة وتحكم على إسرائيل بالعيش كدولة منبوذة في محيط خطر ودائم العداوة.
كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط