بعد خروجه من اللقاء الذي جمعه بالرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي في قصر الاليزيه، أدلى رئيس الحكومة سعد الحريري للصحافيين العرب والفرنسيين بتصريح أوجز فيه ابرز محادثاته مع الرئيس الفرنسي، ولكنه في رد على سؤال حول الوضع اللبناني، كشف الرئيس الحريري معلومة مهمة جداً، بقيت منذ الاجتماع حتى اليوم، بعيدة عن متناول السياسيين في لبنان، وبعيدة عن ملاحقة رجال الصحافة، رغم انها – المعلومة – تختصر على ما يبدو الواقع اللبناني القائم ودور المسعى السوري – السعودي لايجاد حلول للمعضلة اللبنانية المسيطرة على حياة اللبنانيين والدولة اللبنانية.
في ردّه على السؤال، أكّد رئيس الحكومة سعد الحريري، انه في ما خصّه قام بواجباته كاملة، ويبقى على الآخرين ان يقوموا بما عليهم. وعندما سأله الصحافيون عمّن يقصد بذلك، أوضح الحريري انهم يعرفون ذواتهم ويعرفون ما يتوجب عليهم فعله.
في التحليل المنطقي لما قاله الرئيس الحريري، يمكن الاستنتاج، بأن الحريري تنفيذاً لمبادرة سعودية – سورية، قام بزياراته الى دمشق وطهران، واجتمع بالرئيس السوري بشار الاسد والايراني محمود احمدي نجاد اضافة الى مرشد الجمهورية الاسلامية الامام خامنئي، وفتح الباب واسعاً امام لقاءات وزارية واسعة، وعقد اتفاقات، وبرّد أجواء، اعقبها جميعها بتصريح الى جريدة الشرق الاوسط اعترف فيه بأنه اخطأ عندما اتهم سوريا باغتيال والده، وان هناك شهوداً زوراً اساؤوا الى لبنان وسوريا على السواء، بمثل ما اساؤوا الى عائلة الحريري، ومن ثم وافق على ادراج ملف الشهود الزور، بصفته الدستورية التي تعطيه حق وضع جدول اعمال مجلس الوزراء، على رأس جدول اعمال احدى جلسات المجلس، التي انتهت بعدم التوافق على الموضوع، لأن الفريق الثاني الذي هو حزب الله وقوى 8 آذار مجتمعة، لم يقم، على ما اشار اليه الرئيس الحريري بما عليه، وفق ما تم الاتفاق عليه بين الملك عبدالله والرئيس الاسد، وان ما شهدته الساحة السياسية اللبنانية منذ المسعى العربي حتى اليوم، من توتر وسقوف عالية في المواقف والخطب، وتهديد، وتحديد مهل، ووضع سيناريوات لقيام 8 اذار بانقلابات للاستيلاء على الحكم والقاء القبض على قيادات 14 اذار، وتغيير وجه لبنان وصيغته، حصل لأن تكتل 8 اذار وجد في موقف سعد الحريري الايجابي المسالم، فرصة للانقضاض عليه وعلى فريق 14 اذار، ولم ينفّذ ما تعهد به من خطوات ايجابية يلاقي بها الحريري في منتصف الطريق للتوافق معاً على مواجهة القرار الظني الذي قد يتحوّل الى اتهامي في حال قبل القاضي دانييل فرانسين مضمونه والاثباتات الحسية الواردة فيه.
* * * * *
اذا كان اللبنانيون عرفوا ما التزم به سعد الحريري لانقاذ لبنان، ومنع حصول فتنة، فانهم لم يعرفوا بما التزم به الفريق الآخر، واصبح واجباً على الرئيس الحريري ان يكشف ما تم الاتفاق عليه، ليعرف الرأي العام حقيقة الامر، او ان يتجرّأ فريق 8 آذار، ويعلن صحة او عدم صحة ما ذكره الحريري، أو ان يكشف راعي التسوية، اي سوريا والسعودية، تفاصيل المسعى الذي قام به، والدور الذي اعطي لكل فريق ليقوم به، لأنه من الظلم وغير المقبول ان يبقى سعد الحريري و14 اذار والشعب اللبناني موضع ابتزاز مستمر، بعد كل التنازلات التي قدّموها دون ان يرضى الفريق الآخر او يشبع، بل ان بعض المواقف والتصريحات التي صدرت مؤخراً عن بعض من يعتبرون ذواتهم قياديين في 8 آذار، أقلّ ما يقال فيها انها معيبة ومردودة لاصحابها، خصوصاً عندما يقال ان كل من اعلن ويعلن تأييده للمحكمة الدولية، سوف يحاسب ويهان ويساق الى السجن وربما الى القبر، فهل في حساب هؤلاء ان البطريرك صفير والمفتي قباني والرئيس امين الجميل ورئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وغيرهم الالاف من رجال الدين والسياسة والاعلام وناشطي المجتمع المدني، لقمة سائغة لهم، وهل انهم يراهنون حقيقة على استطاعتهم القيام بمثل هذه الاعمال، بوجود رئيس جمهورية اسمه ميشال سليمان وجيش وقوى أمن ومئات الوف المناصرين لانتفاضة 14 اذار، ودون ان يطالهم سوء او اكثر من ذلك.
لو يدفن بعض اصحاب الرؤوس الحامية، رؤوسهم في الثلوج التي هطلت بالامس، يكون افضل لهم، وافضل للبلد، وافضل لمساعي الخير التي ترغب حقاً في انقاذ لبنان، بدلاً من رفض وتفشيل كل شيء بهدف الاستيلاء على لبنان.