قصة قديس: القديس شربل
اقتباس ربيع يعقوب (الحلقة الرابعة)
يقول سفر الامثال: "الطويل الأناة خير من الجبار والذي يسود على روحه أفضل ممن يأخذ المدن". وهكذا كان شربل، صبور لا يدرك احد غاية صبره ولا يفهمه لأن طريق القديس مختلف عن طريق الناس ومفاهيمه مختلفة عن مفاهيمهم. ومن منطلق سوء الفهم هذا، فإن بعض رهبان عنايا ما كانوا ليتورعوا عن ممازحة شربل وامتحان صبره. وكان طول اناته يفوق التصور.
ذات يوم كان الرهبان يوقدون ناراً، فخطر للأب روكز أن يمزح مع الأب شربل فقال: "إتفقنا كلنا بحيث خلص الحطب نكبك بالنار، كون مستعد". في الحال جثا الأب شربل وأجاب: "الله يقدرني ع الطاعة". وهنا انهال الحاضرون على الأب روكز باللوم، فخجل وأسرع يطلب منه الغفران، فأجابه الأب شربل ببساطة: "الله بيغفر للكل".
يقول الأب ابراهيم الحصروني: "عاشرت الأب شربل سنتين ولم أره أبداً محتداً ولا لمست منه اي تذمر على الاطلاق. كان مبتلياً بداء المغص الكلوي فينتابه الوجع دائماً ولا يداويه بعلاج بل كان يحتمل ألمه بصبرعجيب، مجتهداً في إخفاء المه هذا عن ناظريه. كنت مرة أفلح في كرم المحبسة برفقة الأب شربل. عند الضحى لمست منه تململاً خفياً فسألت الأب مكاريوس عنه فقال لي: قد انتابه دور المغص، فشفقت عليه وتقدمت اليه ارجوه أن يرتاح فأبى ان يغادرنا بل بقي يعمل معنا طوال النهار بإجتهاد زائد كأنه في تمام العافية. ولما باشرنا طعام الغداء قلت للأب مكاريوس: عيّط لبونا شربل يجي ياكل معنا، حرام. فأجابني: بعدان بيبقى ياكل وحدو.
عند الأصيل،(الوقت بين العصر والمغرب) رأيت الأب شربل يأكل ضلوع الفرفحين المتروكة منا، وهي توازي أقلام الرصاص غلاظة وصلابة. اغرورقت عيناي بالدموع من هذا المنظر وانحيت باللائمة على الأب مكاريوس قائلاً له: حرام عليك تتركو ياكل ضلوع الفرفحين. شي بيوجع القلب. فأجابني: هيدي عادتو،هيك بيحب ياكل مبسوط. تركو يدبر حالو.
وقد رأيته مرة ينقل القندول(نبات شائك من فصيلة القطانيات)من اسفل الحرج الى حفافي الكرم حاملاً على ظهره حملة ثقيلة جداً صاعداً بها الى المحبسة. فقلت: عجيب هالختيار شو عندو صبر، غريب هالكاهن قديشو وديع وجلود".
شربل والصلاة
عند نهوضه من النوم كان الأب شربل يتجه الى الكنيسة ويمكث فيها نحو خمس ساعات يصلي جاثياً وخافض الرأس. معظم ليله كان يقضيه مصلياً متأملاً. كان على الرهبان أن يستيقظوا منتصف الليل لكي يرتلوا الفرض الالهي ثم يعودون الى النوم. أما الأب شربل فكان غالباً لا يبرح الكنيسة حتى الصباح ولا يغادرها إلا آخر الجميع.
عمله اليدوي نفسه استحال الى صلاة. في بعض الأحيان،كان لفرط الإستغراق في الصلاة يغيب عن نفسه وعن العالم المحيط به. بهذا الصدد يقول الأخ جواد ما يلي: "ذات يوم كان يعمل معي في الكرم فسألني: كم في جوز بقر بالفلاحة؟ فأجبته: تلاتي يا بونا. ولو، إلك كل النهار تفلح معنا بالكرم وما شفتن؟. فحنى رأسه وسكت".
في جو الصلاة هذا كان الأب شربل يردد كل يوم في قداسه :"يا أبا الحق، هوذا إبنك ذبيحة ترضيك…!"
الصمت مهم في قانون الحياة الرهبانية: "على الراهب أن يلازم الصمت المطلق من صلاة الستار (القسم الأخير من الفرض الالهي) الى صلاة الثالثة وفي الكنيسة وعلى المائدة". (فيصبح الصمت إذاك إلزاميا من الساعة 21 الى الساعة 6) . كان شربل على يقين من أن العزلة لا تكون حقيقية إلا مغمورة بالسكون. نقض الصمت لغير محبة الله أو القريب ينافي في نظر شربل الإتحاد الحميم بالله ويبدد عرف زيارة المسيح في مناولة الصباح. لهذا كانت تمر احيانا أيام دون أن يتكلم فيها شربل.
الراهب الذي تنازل يوم إبراز نذوره عن رؤية وجه أمه، والذي لم يتفرس بتاتا في وجه امرأة، كان يطيب له التأمل في جمال عذراء العذارى أمه السماوية. من دلائل حبه لها المواظبة على تلاوة ورديتها كل يوم. فالعذراء حقا هي باب السماء ولهذا قال شربل لأناس من بقاعكفرا جاؤوا يزورونه: "بتريدو خلاصكن تعبّدو للعدرا".
شربل والمرضى
كان كهنة دير عنايا مع تمسكهم بالعزلة المستحبة، يعتبرون رعاية النفوس خدمة شريفة يؤدونها للدين وللإنسانية، سواء في كنيسة الدير او في القرى المجاورة. وكان الأب شربل لا يألو جهداً في المساهمة بهذه الرسالة. يقول الأب سمعان الأهمجي:"ان الرئيس كان يرسل من وقت لآخر الأب شربل الى القرى المجاورة، اما لتشييع ميت واما لإسعاف مريض. فكان يذهب في مهمته متجهاً تواً الى الكنيسة. كان الأهلون يسرعون اليه من كل صوب تبركاً بلمس ثوبه او قبلة يده ملتمسين منه الصلاة على ماء يحملونه في أباريق لكي يباركوا به البيوت وينالوا الشفاء".
في عام 1873دخل فارس انيق البزة على الدير وعليه امائر الإضطراب. فوراً قابل الرئيس،وذهب الى الأب شربل يقول: "مدير اهمج رشيد بك الخوري، طالبك، ومعي كلمي من الريس بيسمحلك ترافقني". فأجاب الأب شربل بلا تردد: " يالله انا ماشي".
بعد ساعة سير على الأقدام عبر جبل "العويني"وكروم اهمج وصل الأب شربل الى امام قصر ضخم.واشرأبت اعناق الخدم وزلم البيك تستطلع خبر الراهب.
– يا حصرتي قال خادم لرفيقه،ابن البيك بحالة خطر،جايبنلو الكاهن.
– نجيب ولد وحيد ما عندن غيرو.
– هيدي الحمى،حمة التيفوس ما قدر حكيم يشفيه منا.
– ليكي ليكي،هالراهب،همست خادمة لرفيقتها،كيفو ملفلف بتيابو ومطمش بقلسوتو ومدنكز راسو بالأرض، خايف ل ناكلو!
– هادا خايف يشوفنا ويتجرب.
– الست بعتت خلفو. ما عاد لهن امل إلا بالله.هالراهب بيقولو عنو قديس.
بشر الرسول بقدوم الراهب، فهب الوالدان لإستقباله. دخل الأب شربل غرفة المريض ، ثم اخذ ماء فباركه ونضح به جبين المريض وصلى عليه، فاستفاق حالاً وفتح عينيه هاتفاً:
– بونا شربل!
حينئذ قال الأب شربل لوالديه:"بقوة الله ابنكن صح."ثم ودعهم وانصرف الى ديره. اما المريض فقد فارقته الحمى وشفي تماماً.
شربل العامل
كان رهبان لبنان جميعا والأب شربل منهم، كهنة عمالاً يعجنون بأعراقهم الأرض. وقد اخترع هؤلاء وسائل تقنية جديرة بأن تبعث الإزدهار في بلاد صخرية قاحلة وعلموا هذه الوسائل التقنية للفلاحين. وكان هذا ايضاً ما فعلوه في حقل الصنائع، فمهروا البلاد بطائفة من المؤلفين والطباعين والرسامين والبنائين والحدادين والنجارين…
طيلة 47 سنة من حياته الرهبانية ما انفك الأب شربل يساهم في معظم هذه الأشغال. في جميع الفصول كان يقوم كقروي فقير بأشغال الدير والحقل: يقطع الحطب في الحرج، ينقل منه أحمالا ثقيلة، كما يحمل القندول والشوك لسياج الكروم، وسلال العنب الى المعصرة من دون أن يذوق منها حبة. يقوم باعمال الفلاحة والزراعة كلها ويختار العمل الشاق الوضيع مؤتمراً بامر رئيس الحقلة أو رفيقه في المحبسة.! بات مقتنعاً بأن شغله مشاركة في عمل خالق الكون الذي منحنا العالم لكي نفرح بإكماله.
الى المحبسة
على قمة عنايا سيعتزل شربل ثلاثة وعشرين عاماً. وسيظهر هناك أن فضائل المتوحدين الكبار القدامى لم تكن اساطير أو خرافات. الدعوة الى النسك خطيرة ونادرة، لكن الناسك لا يعتبر مارقاً عن القوانين او فاراً من الرهبانية. النسك هو الإستغراق في الله الى الغاية، والتجرد المطلق، ليس عن العالم فحسب بل عن لذة العيش في المجتمع الديري وفي جوه الأخوي الدافىء. انه ارتقاء في سلم الفضائل الرهبانية، تحت اشراف الرئيس، الى اعلى درجات البطولة.
لطالما صارح شربل رؤساءه متلمساً الإجازة باعتناق حياة الصومعة. ومع التأكد من أصالة هذه الدعوى، كان لا بد من تمرس ارحب بأشياء النسك. وقد تم ذلك طيلة ست سنوات على يد الأب اليشاع الحرديني، شقيق قديس كفيفان،الذي كان حبيساً في صومعة عنايا آنذاك، وقد ناهز الثمانين. كبيراً كان تأثير رجل الله هذا على نفس شربل. بات يتنشق قربه عبير مجد ونور حكمة نسكية مثقلة بثمار الفضائل وبخبرة نصف قرن. يخيل اليه وهو يصغي الى ارشادات هذا الناسك الجليل، ان صوت خاليه وصوت معلمه في دير كفيفان يرددان على مسمعه كلام الإقتداء بالمسيح:"يجب ترك الكل لأجل الحظوة بالكل.