#adsense

الازدراء القاتل!

حجم الخط

ما يُعلنه حزب الله من مواقف انما يتصل به وباقتناعاته وبمواقفه وبتوجهاته. وما يعلنه "حزب الله" بهذه اللغة الخشبية العدوانية من تخوين، وترهيب، وترعيب، وشهر أصابع (كأنما صارت الأصابع رمزاً من رموزه) وإهانة للآخرين، كل هذا من خصوصياته ومن ثقافته ومن تقاليده ومن موروثه ومن طريقة تفكيره. كل ذلك من خصوصياته وهو حرّ في التصرف بها، وممارستها كوسيلة سياسية وإيمانية (إلهية) ودنيوية. إنها من سماته. وهو حر في الاستمرار فيها. وما يتخذه من مواقف من "المحكمة" و"شهود الزور" (أين صار أبو عدس، والحجاج الاستراليون ومسجلة جميل السيد والشجرة.. والديك!)، خاص به وبمفهومه وبمعطياته وبمعلوماته وبتبريراته أو "بحقائقه". وما يحاول حزب الله فرضه من مناحٍ "كانتونية" وتقسيمية ومن محاولات تعطيل "الدولة" واستيعاب الحكومة.. هذا كله من شأنه أيضاً، ووراءَه من يؤيده، ويصدقه ويؤمن به من مرجعيات خارجية تتعامل معه بالطريقة التي يؤمن بها. من "استقلالية" و"وطنية" وسيادية وتحريرية!

حزب الله عنده ما يشاء أن يكون ما عنده. وهو حرُ (مدعوماً بالأسلحة والصواريخ بالمقاتلين) في أن يرى ما يريد أن يراه، وأن يفعل ما يرتئي أن يفعل. هذا شأنه.
لكن إذا كان حزب الله عنده من اقتناعاته ما عنده، فأكثرية الناس في البلد لا ترى لا من نظاراته ولا من منظاره. ترى العكس تماماً. وهذا شأنها. فلها مثله أفكارها وحُججها ومنطقها ومصلحتها وهي الشريحة الكبرى، ليس عندها سلاح (ومن كان عنده في الماضي سلاح سلمه للدولة ومن كان عنده مشاريع كانتونية تخلى عنها، ولا مسلحون. ولا "استشهاديون": فشهداء 14 آذار قُتلوا واغتيلوا (ولم يَقْتُلوا أحداً. ومفهوم؟) ولا استراتيجيات خارجية داخل البلد، ولا استراتيجيات داخلية خارج البلد. وإذا كان أكثر من نصف البلد لا يجاري حزب الله فيعني أن نصف البلد غير مقتنع، ويحسب ان ما يقوله الحزب مجافٍ للحقيقة. ولهذا نجد أن الأكثرية هذه لا تتوسل السلاح لقمع حزب الله ولا التهديد لترعيبه ولا الغزوات لكسره. هناك أسلوب تاريخي مُستقىً من الأنظمة الشمولية (التوتاليتارية) التي ترى انها هي التي تنتخب الشعب، وليس الشعب هو الذي ينتخبها، وهي التي تفكر عنه، وليس هو الذي يفكر عن نفسه، يستلهمه حزب الله (كنور قذفه الله في صدره)، وعلى أساسه يتعامل مع الناس: من ليس معي فهو ضدي: بدون أي اعتراف بأن للجهة المقابلة ما تؤمن به، وتصدقه مثله- ونظن أن الذهنية التي توسوس في عقول "أهل الله" الحزبية (وعليك أن تصدق ان لله حزبه الخاص دوان سواه في هذا العالم البالغ المليارات…) هي الذهنية الانقلابية بالمعنى الأيديولوجي العميق ويحاول الحزب أن يمسحها بمسحة دينية من هنا، وبمسحة اجتماعية من هناك، لكي يضفي عليها هالات من "الوحي" ومن "التقديس" لا تصيب فقط الخطاب السياسي بل بعض شخصياته التي يجب أن تتعامل معها وكأنها باتت في مصاف الأولياء والقديسين. وهذا ليس غريباً فالأيديولوجيات كلها انتجت قادة جُعلوا في مصاف "القديسين" و"الآلهة": لأن كل أيديولوجية غيبية أو مادية تاريخية أو حتى ليبرالية ممسوسة مساً بالمحتوى الديني، لأن ما يجمعها كلها هو عنصر "الإيمان". فعليك أن "تؤمن" بهذا القائد أو الزعيم إيماناً مطلقاً. فهو إذاً زعيم مطلق وعليك ان تتعامل مع خطابه وكأنه خطاب مقدس معصوم. بمعنى أخر ينضوي حزب الله تحت لائحة هذه المطلقات التي يجب تتتعامل معها باعتبارها فوق النقد. وعلى هذا الأساس يُصبح كل من يُوجه نقداً "عقلانياً" إلى هذه المطلقات أو من يجسدها من قادة إما "كافراً" بالنسبة إلى أهل الدين (نتذكر محاكم التفتيش في القرون الوسطى)، أو خائناً بالنسبة إلى أهل "العلمانية" و"التفكير العلمي". في الأول تمتلك أحزاب الله الحقيقتين الدينية والدنيوية وتوزع أراضي وممتلكات وصكوكاً في الجنة للمؤمنين بها، وناراً تصلى في الجحيم من يعارضونها.

وهذه الظواهر عرفناها في الأنظمة الاستبدادية الغربية، الستالينية والنازية والفاشية والفرانكوية من دون أن ننسى الصهيونية ومن ثم الأصوليات الإسلامية والمسيحية، ومن دون أن نتعالى فوق هذه الظواهر التي عرفناها في بعض الأحزاب اللبنانية لا سيما أثناء الحرب الممتدة من 1969 إلى اليوم والموروثة من متاحف الأحزاب والأنظمة الشمولية والفاشية.. ونظن أن "حزب الله" وانطلاقاً من اسمه العلوي أصلاً، وإلى موروث هذه "التقاليد" العربية وغير العربية كأنه ما زال مُصراً على هذا النهج: نحن نملك "الحقيقة" ومن ليس معنا فهو خائن (وكافر ربما غداً) وعميل ويجب ألغاؤه أو اسكاته أو تدميره أو اذلاله أو استيعابه أو ضرب مصالحه وحرياته.

وهذا ما يحصل اليوم ومنذ سنوات وتحديداً بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء الاستقلال، وانتصار 14 آذار، في الامتحانين الانتخابيين النيابيين، وفي الانتخابات النقابية والطالبية والمهنية. وإذا كان حزب الله ظل مخلصاً لذهنية "إيمانه" الانقلابي، فمن الطبيعي أن يستمر (كما أيام النظام الأمني وكان شريكاً أساسياً فيه!) هذا الحزب الذي مثل "المقاومة" (عندما كان ثمة مقاومة للعدو الإسرائيلي وكنا وراءَه) وكذلك شريحة كبرى من الطائفة الشيعية من دون أن نغفل أحلافه المتصلة بتعزيز المقاومة وميشال عون (ترعرع على مواجهة إسرائيل منذ نعومة أذنيه وناضل كمقاوم "شرس ضد غزو إسرائيل لبنان، والتاريخ شاهد على بطولاته في وجه الصهاينة: رائع! وإذا كنتم لا تصدقون فعليكم بفايز كرم لكي يقنعكم بذلك). فهو متعدد الانتماء والوصل والاتصال والإيصال والتواصل. ولهذا من غير المنطقي التعامل مع الحزب "السماوي" باعتباره مجرد ظاهرة لبنانية، (وهكذا كانت كل الميليشيات الإلهية التي عرفناها منذ 1969 من عربية وغير عربية)، تنحصر في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، أو في اعتبار نفسها جزءاً من نظام "نهائي" ومن حدود نهائية. فهي تمثل "الأمة" كما صرح السيد حسن نصرالله (من دون أن يقول لنا أي أمة: الإسلامية أو العربية أو اللبنانية!) أي ترتبط بمشاريع مقاومة الاستكبار العالمي كله، من إسرائيل وصولاً إلى آخر الدنيا: فهو يريد أن يهزم أميركا في لبنان وفي العالم. على هذا الأساس ربما يرى إلى الواقع اللبناني كلحظة في زمن، واللبنانيين كوسيلة والحدود اللبنانية بلا حدود والسيادة اللبنانية مؤامرة والاستقلال اللبناني ربما عمالة والكيان اللبناني مجرد حجارة لبناء صرح الأمة الرحب. ونظن أن معاملة اللبنانيين كافة حتى (قواعده وبعض حلفائه) تتسم بالدونية: هؤلاء وسائل. مجرد وسائل. وعليه يمكن التضحية بهم من أجل المشروع الأكبر! تماماً كما يرى إلى الأمكنة. فهي أمكنة "لبنانية" موقتة بدون هوية ولا تاريخ ولا ناس . أمكنة "مطلقة": فبيروت ليست عاصمة ولا ملتقى بل هي، كالمدن الأخرى بما فيها الجنوب مُنتَزَعة "الانتماء الجغرافي والإنساني والتاريخي. أي منزوعة الاسم واللقب والهوية تنتظر من يمنحها هويتها الجزئية في جغرافيا المشروع الأكبر. المشروع الأيديولوجي الديني المماثل للمشاريع الأممية التاريخية أو الجغرافية أو الإقليمية. كأنما يجب أن يعيش اللبنانيون وكأنهم ينتظرون "ترانسفير" ايديولوجياً ينقلهم (بالقوة والانقلاب والسلاح) من الحالة اللبنانية العروبية ، إلى الحالة المنتظرة، والتي تحددها احتمالات المشروع الأوسع! انها، من ميراث المنظومات الإمبراطورية في مناحيها الاستعمارية المعروفة. (أَّما التجسيد الامبراطوري لفكر حزب الله فهو طبعاً الجمهورية الإسلامية المركزية). هكذا تم التعامل في اليمن وفي العراق وفي فلسطين.. تدمير الهويات التاريخية، وتقسيم الجغرافيات والكيانات لإعادة ربطها بمركزية خارجية! أي اعتبار هذه "الأقاليم" مجرد "مواد أولية" وأعداد أولية، يجب صوغها أيديولوجياً لبناء "الأمة" أو مركزية الأمة. وإذا كانت مختلف الأيديولوجيات التاريخية والسياسية المطلقة. ترى إلى الأرض والناس مجرد وسائل، فهذا يفسّر نظرتها الدونية لهم، انطلاقاً من موقعها "الأسمى" الشامل، والاستراتيجي والتغييري.

وحزب الله (وقبله المنظومات الطائفية والايديولوجية اللبنانية والعربية) ينتمي إلى هذه المناخات. فلبنان كمحط له، "مواد أولية" مرحلية لتأسيس المشروع "الأسمى" والنظرة الدونية التي يتعامل بها مع اللبنانيين بمن فيهم قواعده (بل في الطليعة قواعده) ترتبط أساساً بفكرة أن هذا البلد بناسه مشروع "ترانسفير" لانتماءات أوسع. وهم على هذا الأساس يجب أن يكونوا "مطواعين" للخرائط والهندسات الكبرى، مطواعين طاعة الماء والحصى والبحص، وطاعة العبيد. انها النظرة الاستعلائية التي تعود إلى جذور كل الاستبداديات. بمعنى آخر يأتي التطويع بالقوة (أو بالتحذير الغيبي) نوعاً من التغييب المادي والسياسي والإدراكي للناس: لاحظوا بعض الملصقات الحزبية ومن كل الأنواع ولكل الفئات: صورة القائد تملأ الملصق والناس في الأسفل بتخطيطات ضئيلة: الإرادة العليا فوق الجماهير السُفلى تحت. ولاحظوا بعض الشاشات التي ينطلق منها بعض القادة: الشاشة دائماً في الأعلى، والجمهور عليه أن يرفع رأسه ليرى المخاطب. وإذا كانت هذه النظرة تصح على قواعد بعض الأحزاب فانها تصحّ أيضاً على الحزب نفسه فانها يجب أن تصح على كل اللبنانيين، الذين عليهم أن يشرئبوا بأعناقهم إلى فوق ليروا ما تنعم به السماء عليهم من كلمات وفي الحالتين ازدراء بالناس. وفي الحالتين العملية التطويعية ذاتها. وفي الحالتين الخطاب التخويني او ممارسة القمع هي مشتركة. ومما نسوقه هنا مستقى من أدبيات ومن أعمال الحزب على امتداد سنوات (سواء مع طائفته أو مع الآخرين: سواء بسواء). ويكفي أن نسترجع بعض قاموسه وألفاظه (وكذلك أصابعه المنشورة فوقه كسهام إلهية) لندرك إلى أي مدى يُكّن هذا الحزب لناسه وأهله ولغيره هذا الازدراء. فمن "قطع الأيدي" إلى بتر الأرجل. إلى تشبيه الناس بالنعال.. والأحذية ومسخهم.. وإلى تشبيههم بالإسرائيليين وإلى ربطه إياهم بالأميركيين والعملاء، ناهيك عن تخوينهم وترهيبهم وتهديدهم والتطاول عليهم بنبرات الصراخ والزعيق وشهر الأصابع.. بالتهديد والويل.. فإلى نفيهم كلياً أحياناً، وتدمير بنى المؤسسات والسخرية من إرادتهم واختياراتهم وحتى انتصاراتهم.. كل ذلك يعبر عن ميوله إلى الاقتصاص الجماعي وهذا ما فعله في بيروت والجبل، وهذا ما يفعله اليوم بشأن المحكمة وشهود الزور (عملها قبلاً بذريعة الاتصالات وعاودها بذريعة الثلث المعطل تحت شعار "التوافقية" التي تنكر لها بوحي إلهي اليوم). انه الاقتصاص الجماعي بالتهديد بمعاودة انتهاك البلد بل إلى "إلغائه" ("بعد القرار الاتهامي لن تكون حكومة ولا بلد"! (محمد رعد) وهذا جزء من تفكيرهم، فالبلد ملغى أصلاً من مفهوم الأيديولوجي والسياسي ولا مانع من إلغائه بمكوناته الأساسية والاقتصاص لا يصيب فقط الشعب اللبناني ككل بل البلد كله. (لبنان بعد القرار الظني غير لبنان قبله). أي لبنان كله من أقصاه إلى أقصاه سيتم الاقتصاص منه. ولن تكون إرادة مختلفة أو خاصة أمام إرادة الاقتصاص "التاريخي نفسه". وهذا يعني في المحصلة أن الحزب لا يعترف بالبلد كما هو. بل كما يريد ان يصير بعد انقلابه أو بعد إخضاعه بقوة سلاح المقاومة بالطبع (وهل هناك عند حزب الله سلاح خاص بمقاومة العدو وآخر بمقاومة البلد والدولة: السلاح ذاته الوارد من المصدر ذاته). أي سلاح يكاد لا يفرق بين "الكيان" الصهيوني والكيان اللبناني ولا بين الغاصب الصهيوني وبين المواطنين اللبنانيين. وهذا ما يجعلنا ننتظر كل شيء منه، في انتظار توفر الظروف الملائمة.

أو ليس هذا ما يفسّر عدم اعترافه بمواقف أكثرية الشعب اللبناني من المحكمة، ومن سلاحه ومن مقاومته (كما آلت إليه في الداخل)، ومن سلوكه، ومن استكباره ومن أحاديته؛ فحزب الله ا لا يتوقف عند ازدرائه لأكثرية الشعب (ولقواعده تجديداً!) بل يتجاوز ذلك إلى إلغائهم (والازدراء نوع من الإلغاء) المادي والمعنوي والفكري والسياسي. وعندما يعلن رأيه في المحكمة، ها هو يطالب أكثرية الشعب اللبناني أن تلتزم الحياد بينه وبين المحكمة. وكأنه بذلك يطالب الدولة والحكومة (التي أقرت المحكمة بالإجماع) والجمهورية بما تمثل من شرائح أن تخلي له الساحة وتلتزم الحياد، باعتبار أن استشهاد الحريري وشهداء 14 أذار، حدث في هونولولو أو في بلاد السند والهند، وأن هؤلاء الشهداء لا أهل لهم، ولا ناس ولا شهود ولا جذور ولا هوية: حزب الله ينزع المواطنية عن الشعب اللبناني والشهداء ليتكفل وحده تنكب القضية. وهذا يعني أيضاً ان الحزب يزدري كذلك "شهداء" الآخرين (وهم شهداء السيادة والاستقلال والديموقراطية)، ولا يعترف إلاّ بشهدائه (ونحن نكبرهم كشهداء مقاومة وكم عبّرنا عن ذك). فكأن شهداء الآخرين أقل من ضحايا وربما أكثر من عملاء (محطة حليفه التلفزيونية البرتقالية اتهمت الشهيد وسام عيد بالعمالة!) وحتى شهداء المقاومة الوطنية التي حررت جزءاً من الجنوب وطردت العدو الإسرائيلي من بيروت، هم "شهداء" من درجة ثانية ينبغي أن يودعوا إدراج النسيان! فالمقاومة تبدأ معهم. وضرب صورة الجيش الإسرائيلي تبدأ معهم (تناسوا حرب اكتوبر وطرد العدو من الأراضي العربية وتناسوا ضربات المقاومة الوطنية وتناسوا المقاومات الشعبية الفلسطينينة…) فالتاريخ يبدأ معهم. ويبدو أن الجغرافيا أيضاً. وربما الإنسان. والإيمان. والفقه. والتفسير. هذه هي مفاهيم الأحزاب المطلقة: لا شيء قبلها ولا شيء بعدها.

هذا الجنون الاستعلائي، الإلغائي، الازدرائي، هو الذي سيوصل حزب الله إلى الحيطان وإلى الطرق المسدودة. فالناس مهما صبروا يقولون "للصبر حدود" والناس المتمسكون بالمحكمة والعدالة ها هم صامدون في وجه الأحادية المفروضة عليهم، وها هم وبدلاً من أن يخافوا كما يتمنى حزب الله باتوا يسخرون من هذه الكوميديات التهديدية.. تيمناً بـ "وشرّ البلية ما يضحك" وصدقوني باتت إطلالة بعضهم على الشاشات مثل اسكتشات كوميدية.. في قهقهاتها كثير من الضحك… وكثير من الأسف!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل