#adsense

في “الحياد” وأهله..

حجم الخط

قد تكون الدعوة التي أطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الى فريق الرابع عشر من آذار من أجل الوقوف على "الحياد" في قضية المحكمة الدولية، واحدة من أخطر وأغرب الدعوات التي صدرت في خضم هذه الحرب الإعلامية والسياسة الدائرة رحاها منذ فترة.
غريبة وخطيرة الدعوة.

غريبة لأنها تستبطن اعتبار من يدافع عن المحكمة "غير معني" بها ولا بوظيفتها ولا بوجودها في الأساس. وكأنها قامت من أجل محاكمة عناصر حزبية بسبب تورطهم في عمل ما في الكونغو برازفيل أو جمهورية الدومنيكان أو جزر القمر، ولم تتم لأن أسباباً دموية وكارثية محلية متشعبة أوجبت قيامها! وغريبة أيضاً لأنها في المعنى الأبعد أثراً، تفترض بكل بساطة أن هؤلاء الآخرين إذا كانوا معنيين بالدماء التي سفكت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعليهم أن "ينسوا" ما حصل. وذلك لا يتم إلا من خلال تكليس مشاعرهم والكف عن حمل السلم بالعرض، وإلا تكسّر ذلك السلّم على رؤوسهم.

الغريب فعلاً في ذلك المنطق، هو انتقاله من حالة سياسية اعتدنا عليها الى حالة أخرى لا أعرف كيف أحدّدها من شدّة فرادتها.
.. في الأداء السياسي العام يتصرف "حزب الله" تحديداً وقوى 8 آذار عموماً، وكأن الطرف الآخر غير موجود… غير موجود في حالات معينة، ومرشح لانعدام ذلك الوجود في حالات أخرى. بحيث أن كل ما فعله ذلك الطرف المرصوص تحت لافتة 14 آذار منذ العام 2005 حتى الآن، باطل وعاطل ومشبوه وموبوء وكان تنفيذاً لإرادة تآمرية أميركية فرنسية.. وبالتالي فإن قرار الإعدام السياسي قائم ويُنفّذ أينما أمكن: في نتائج الانتخابات، وتشكيلة الحكومة، وغير ذلك من تفاصيل الدولة ومؤسساتها وبنيانها ومطارها وقواها الأمنية والشرعية إلخ.. وفي حال عدم القدرة على الحسم وإنزال الفأس بالرأس يُعتمد التعطيل والكربجة والفرملة وما شابه.

مصدر ذلك الأداء هو الشعور الطاغي بالقدرات الغالبات.. "لو أردنا لكنا فعلنا ذلك الانقلاب.. ولو أردنا لكنا قبلنا بتعديل الطائف، ولو أردنا لكنا مسحنا بكم الأرض". شعور يمحي إرادياً أو لا إرادياً، منطق الأخذ والرد ودواعي التسوية، بل يُبطل السياسة بأمها وأبيها.

اليوم مع الدعوة المذكورة الى الحياد نقفز الى منصة أعلى كعباً وأخطر: "ممنوع اتهام أحد منا أو من غيرنا، في حين أن المطلوب منكم أن تنسوا شهداءكم. آباءكم وأزواجكم وأولادكم".

كيف تركب هذه السيبة الظالمة؟!
أما وجه الخطورة في تلك الدعوة، فهو من خلال اعتبارها الآخرين مجرد مُلحقات بالعصب المركزي والأساسي للبنان وسياسته وتوجهاته: "نحن نقرر وأنتم تسمعون، ولا تنطقون. ولكم أن تفترضوا أنكم غير معنيين بقرارنا".. المعضلة الوحيدة هي أن الأعداء الفعليين للبنان واللبنانيين لا يملكون ترف ذلك التمييز والفصل المطروح محلياً، بحيث أن أي عدوان إسرائيلي مثلاً لا ينظر إلينا إلا باعتبارنا دوغما واحدة لا تنفصم عراها.. وكأن "حزب الله" يريد أن يقول للآخرين أنكم غير معنيين حتى بالنزاع المصيري مع إسرائيل طالما أن هناك من هو "مُتهم" أصلاً بالنظر إليها على أساس أنها "عدو لحزب الله" ليس إلا!!

لا يرى "حزب الله" الآخرين في لبنان، ولا يقيم وزناً لمشاعرهم ولا لأحاسيسهم ولا لرؤاهم ولا لتطلعاتهم.. وحكماً لا لسياستهم. فيما مطلوب من كل هؤلاء أن يروا كل شيء فيه وفي ما يخصّه، ويذعنوا صاغرين!

.. و"أحلى" ما في ذلك هو أن الحزب مثلاً يرى في تصريح يتيم صادر عن صوت مقهور، سعياً الى الفتنة، ولا يرى في كل ما سُجّل من 8 آذار عام 2005 مروراً بـ7 أيار وصولاً الى مطولات الأسابيع الماضية.. إلا رشّاً للماء والياسمين لإطفاء الفتنة. فظيعة!!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل