"حزب الله" يستعدي أكثرية اللبنانيين بتعطيل الدولة وشلّ حركة الحكومة
محاولة يائسة للحصول على تنازلات من خصومه السياسيين قبل صدور القرار الإتهامي
"يبدو أن برمجة الخطاب التصعيدي المتواصل لحزب الله يحمل في طياته أكثر من مؤشر سلبي موجّه الى شريحة واسعة من السياسيين اللبنانيين"
يتجنّب قياديو <حزب الله> ونوابه التجاوب مع الدعوات المتكررة التي يطلقها رئيس الحكومة سعد الحريري لسلوك الحوار سبيلاً لإيجاد المخارج المطلوبة والمقبولة من كل الأطراف لمشكل القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمحكمة الدولية، ويستعيض هؤلاء عن ذلك بشنّ سلسلة من حملات التهديد والتحذير ضد كل المؤيدين لمسار المحكمة سياسياً وشعبياً على حدٍّ سواء وانتهاج أسلوب محاولة فرض الأمور بقوة الترهيب كما يحصل حالياً من خلال السعي لإقرار ملف <شهود الزور> المصطنع واللاقانوني والإصرار على ربط انطلاقة الدولة ككل وتيسير مهمات الحكومة خصوصاً بالتجاوب قسراً مع كل ما يطرحه الحزب من مسائل وقضايا حتى ولو كانت غير منطقية كما حصل في أكثر من مناسبة ولو اقتضى الأمر الاستمرار في تعطيل أمور الدولة ومصالح ومتطلبات اللبنانيين الضرورية·
ويُلاحظ بوضوح أن هؤلاء القياديين في الحزب يحصرون معظم خطابهم السياسي في توجيه التهديدات ضد اللبنانيين المؤيدين لعمل المحكمة الدولية والرافضين لممارسات الحزب التسلطية والترهيبية، في حين غابت عن هذا الخطاب الحملات المعهودة ضد العدو الاسرائيلي وهو ما يدل بوضوح على توجّه شامل لدى الحزب لممارسة أقسى حملات الترهيب المطلوبة نحو خصومه السياسيين في الداخل على خلفية استهداف المحكمة الدولية وممارسة أكبر قدر ممكن من الضغوطات عليهم قبل صدور القرار الاتهامي، على أمل أن تحقق مثل هذه الحملات تنازلات مطلوبة ضمن المشاورات الجارية وراء الكواليس للتفاهم على مخرج لمرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي، بعدما فشلت كل المحاولات والتهديدات السابقة للحصول على مثل هذه التنازلات من تحقيق أهدافها وأهمها تنكّر الرئيس الحريري للمحكمة الدولية وقيام الحكومة اللبنانية بقطع كل تعاون معها·
ولكن يبدو أن برمجة الخطاب التصعيدي المتواصل للحزب خلال الأيام القليلة الماضية والمتجدد منذ السنوات الماضية يحمل في طياته أكثر من مؤشر سلبي لا يمكن تجاهله، المؤشر الأهم موجّه الى الشريحة الواسعة من السياسيين واللبنانيين عموماً وهم الذين يمثلون أكثر من نصف الشعب اللبناني ويدعمون استمرار عمل المحكمة الدولية لكشف الحقائق في جرائم الاغتيال الارهابية التي استهدفت رموزاً وطنية لبنانية، ومضمون هذ المؤشر يحمل في طياته التهديد باحتمال قيام <حزب الله> بتكرار اللجوء الى سيناريو استعمال سلاحه ضدهم مرة جديدة بالرغم من كل تعهداته السابقة بعدم اللجوء الى استعمال هذا السلاح في الداخل، في حال استمروا في دعم وتأييد عمل المحكمة الدولية الى ما لا نهاية كما يحصل حالياً، وفي حال تعذر اللجوء الى مثل هذا السيناريو لاعتبارات إقليمية ودولية ولتفادي أي تداعيات سلبية محتملة على الحزب، فإن سيناريو تعطيل ورهن حركة الدولة اللبنانية ومصادرة قرارها وشلّ عمل الحكومة وتعطيل تطور الحركة الاقتصادية، يبقى الخيارالأفضل والمتاح والأقل كلفة في هذه المرحلة، وهو الخيار الذي يطبّقه الحزب حالياً متستراً بملف <شهود الزور> وهو ما كشف عنه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في خطابه بالأمس ولو بشكل غير مباشر·
ولكن جنوح الحزب لاعتماد أي من الخيارين المذكورين لن يكون متيسراً ودونه محاذير وتداعيات خطيرة لا يمكنه التحكّم بأبعادهما مهما بلغت سطوته وإمكانياته المادية والعسكرية على حدٍّ سواء· فاعتماد الخيار الأمني والعسكري قد أصبح في الوقت الحاضر دونه عقبات ومحاذير ومستبعداً ولكنه ليس مستحيلاً بالكامل في حال تبدّلت المعطيات الإقليمية والدولية السائدة في الوقت الراهن، ولكن في مجمل الأحوال سيكون مكلفاً جداً للجميع· أما استمرار خيار التعطيل وقطع الحوار الذي اعتمده الحزب في المرحلة السابقة لممارسة الضغوط على الأكثرية ولمنع قيام المحكمة الدولية، فلم يفلح هذا الخيار في تحقيق الأهداف التي سعى الحزب لتحقيقها وأُنشئت المحكمة الدولية بالرغم من كل أساليب الترهيب الدموي التي اتّبعها في السابق·
ولذلك، فإن سريان مثل هذا الخيار الذي يعتمده <حزب الله> حالياً من خلال التعطيل المبرمج للدولة اللبنانية قد يستمر لبعض الوقت بسبب أزمة القرار الاتهامي وتداعياته وتفهّم معظم اللبنانيين بظروف هذه الأزمة، ولكن بعد صدور القرار المذكور لا يمكن الإمعان في الاستمرار بهذا النهج مباشرة أو مداورة الى ما شاء الله كما يحلو للبعض أن يمنّي نفسه بذلك، ومهما تعددت المبررات المصطنعة للإمعان في هذا النهج، لأنه لا يمكن استعداء معظم اللبنانيين الرافضين لهذه الممارسة التي تبقيهم رهينة الحزب ومخططاته ومصالحه التي تتعارض بمعظمها مع مصالح اللبنانيين وطموحاتهم، ويجب التنبّه لعدم الوقوع في خطأ تعطيل المؤسسات الدستورية وتكبيل حركة الشعب اللبناني مرة جديدة خشية الانعكاسات والأضرار التي لا يمكن التكهّن بنتائجها وضررها على الجميع دون استثناء