الحريري رسم خطوطاً حمر لنفسه وبعدها… كلّ الخيارات مفتوحة
ويتعامل مع التسوية بمنطق التمسّك بالعدالة والاستقرار في آن
قبل مدة ليست بطويلة بدأ مقرّبون من رئيس الحكومة سعد الحريري طرح أفكار جديدة على هامش المساعي السعودية – السورية الهادفة لانتاج تسوية تريد السعودية من ورائها سحب البساط من تحت المحاولات الهادفة لهز الاستقرار، وتريد منها سوريا تعطيل المحكمة الدولية لبنانياً بحيث تحمي حليفها حزب الله وتقطع الطريق على وصول تداعيات القرار الظني الى سوريا نفسها.
ويتساءل هؤلاء المقرّبون من رئيس الحكومة أليس تحقيق هدف حفظ الاستقرار هدفاً غالياً يمكن التضحية ببعض التنازات من أجل الوصول اليه ويقصدون بالتنازلات شيئاً قريباً مما قاله الحريري لنصرالله في آخر اجتماع لهما.
والتنازلات كما يقول المقرّبون من الحريري لا تمس جوهر المحكمة الدولية اي انها تلتزم بالخطوط الحمر الآتية:
1- لن يصدر عن الحريري اي موقف يفسّر بشكل مباشر أو غير مباشر كأنه رفض للقرار الاتهامي اي ان الحريري لن يقول أرفض هذا القرار وأرفض نتائجه.
2- لن يصدر عن الحكومة التي يترأسها الحريري اي قرار يعطل عمل المحكمة الدولية اي لن يصدر قرار بوقف التمويل (وهو واقف اصلاً) ولن يصدر قرار بالطلب الى القضاة اللبنانيين الانسحاب من المحكمة.
3- لن يكرر الحريري الخطأ الجسيم الذي ارتكب في تصريح «الشرق الأوسط» هذا الخطأ الذي كشف بعد حدوثه الكثير من النيات المبيتة التي ظهرت من خلال اسراع حزب الله وحلفائه وأولهم اللواء جميل السيد الى استثمار الخطوة والانطلاق منها نحو السعي لمحاكمة الحريري نفسه في قضية ما يسمّى بالشهود الزور، وبالتالي فإن أحد ابرز الخطوط الحمر لدى الحريري بات عدم التساهل مع مطلب احالة قضية الشهود المفتعلة امام المجلس العدلي نظراً لما تعنيه هذه الخطوة من نجاح لحزب الله في التشويش على عمل المحكمة الدولية وخلق هيئة قضائية لبنانية تؤثر على عمل المحكمة.
ويضيف المقرّبون من الحريري، بموازاة الخطوط الحمر هذه فإن لائحة الأضواء الخضر في التعامل مع التسوية السعودية – السورية باتت لائحة فضفاضة وهي تنطلق من مفهوم ما فهمه السيد حسن نصرالله من الحريري في اجتماعهما الشهير ويمكن تلخيصها بالآتي:
1- لا مانع لدى الحريري عند صدور القرار الظني (هناك مرونة باصدار الموقف قبل او بعد هذا القرار) من القول بأن العناصر التي ستتهم في الاغتيال لم تتلقَ أوامرها من قيادة حزب الله، ولا مانع بالتالي وصوناً للوحدة الوطنية بأن يطور الحريري هذا الموقف باتجاه النأي بالمقاوكة عن أي علاقة مفترضة بالاغتيال.
2- لا مانع لدى الحريري من ان يصرّح بأن البيئة الحاضنة لعملية الاغتيال بعيدة كلياً عن الطائفة الشيعية ويمكن توقع ان يقوم الحريري بخطوات شجاعة جداً في هذه النقطة لاطفاء أية محاولة للعب على الوتر المذهبي كتنظيم لقاء سريع مع السيد حسن نصرالله أو زيارة المرجعيات الدينية للطائفة الشيعية او غيرها من الخطوات التي تصبّ في خانة عدم تحويل القرار الظني الى الساعة صفر لبدء الفتنة.
ولكن ماذا لدى الجهة المقابلة لتقدمه اذا ما قرر الحريري سلوك طريق الشجاعة الاستثنائية هذه؟
يخشى المقرّبون من الحريري من ان يكرر حزب الله عرفاً بات يستعمله في اللحظات الحرجة وهو عرف اعطاء التعهدات المكتوبة وغير المكتوبة ثم الانقضاض عليها فيما بعد وهو عرف طبّقه حزب الله وحلفاؤه خلال الاعتصام في وسط بيروت حيث اعلن حزب الله ان المعارضة يومها جاهزة للالتزام بنتائج الانتخابات النيابية ثم تبين انه لم يلتزم ولا حلفاؤه، ثم طبّقه في اتفاق الدوحة حيث التزم بعدم اللجوء الى الشارع في عاصمة قطر ثم تبين ان تشكيل الحكومة المنبثقة عن الدوحة تم تحت ضغط التوتير الأمني في سعدنايل وطرابلس، وطبّقه أيضاً في البيان الوزاري الذي التزم فيه بالمحكمة بشكل واضح ثم عاد عن هذا الالتزام وتصرّف كأنه معارضة داخل الحكومة ملزماً الحريري وحلفاءه بنظرية «الشعب والجيش والمقاومة» ومتجاهلاً التزامه بالمحكمة.
ويختم المقرّبون من الحريري بالقول: صحيح ان رئيس الحكومة حريص على السلم الأهلي لكنه ليس الطرف الوحيد على الساحة اللبنانية واذا كان حزب الله يعتقد أنه قادر على استعمال فائض القوة للوصول الى تسوية تطيح بالعدالة فإنه يرتكب خطأ منذ اطلاق معركته لالغاء المحكمة الدولية.