في النهاية كما في البداية، نحن شعب متلقٍ. نحن في مرتبة العاديين. نراقب. نستمع، وأحيانا نضيع ونحتار. ليس لان قناعاتنا غير ثابتة، ولكن لان ما يصلنا من تصريحات ومواقف سياسية، تجعل من منظومة الالوان والمنطق وحتى الحساب، مجرد كلمات في الهباء، تنسف أي منظومة علمية منطقية واقعية.
احترنا، نحن "العاديين"، واصرّ على التعبير لاؤكد ان العاديين امثالنا، لا يدخلون في منظومة الفلسفة والتفلسف واللعب على الكلام، ونتابع من يعبر فعلا عن مشاعرنا الحلوة قبل غرائزنا الانفعالية. نحن ناس التعبير المباشر والعفوي، عما يدور في داخلنا من أفكار وهواجس وأسئلة ملحّة، وأولها: أيهما يعتمد حقيقة الفجور السياسي الحقيقي في البلاد، 8 أم 14 اذار؟ يا جماعة، شهداؤنا منذ الـ 2005 حتى اليوم (لن نذكر قوافلهم قبل هذا التاريخ)، هم من أي فريق؟ بشع جدا هذا التفريق لكنه واقعي. للاسف. نشكك أحيانا في ذواتنا، عندما تصبح بعض التصريحات، مثل كاسيت ماغط، يدور ويدور على مدار الثواني.
الحقيقة الناصعة هي أن المعارضة تلقّن الشعب اللبناني، دروسا معمّقة ومكثّفة، في مخالفة اللعبة الديمقراطية في البلاد… وتدّعي العكس تماما!
كيف يمكن مثلا أن تواجه، من كان من المفترض به، أن يكون واجهة الديمقراطية في البلاد، أي رئيس المجلس النيابي، عندما يمسك بيد، لقب الديمقراطية، وفي الاخرى مطرقة ناعمة يطرطق بها على مهل وبتأن على رأس تلك الديمقراطية ما غيرها؟
يقول الرئيس بري ان ما اقترحه الدكتور سمير جعجع، هو بدعة غريبة تثير العجب، وانها سابقة، معتبرا ان الاعتراض على التصويت في ملف ما يسمى بشهود الزور، هو تعطيل مكشوف للديمقراطية والدستور، وواصفا اتهام المعارضة بتعطيل شؤون الناس هو "فجور سياسي!!
غريب. عن جدّ غريب! غريب كيف لمن يمسك امانة ومفتاح باب الديمقراطية في البلاد، والذي هو نفسه عطلها ورمى المفتاح لاكثر من ثمانية شهور، وان تصبح مطرقة الحق في يده، علما لانتمائه السياسي، ان يعتبر وسواه من جماعة المعارضة، ان اسلوب التعاطي في مجلس الوزراء مع الكثير من الملفات وتحديدا شهود الزور، اسلوبا أقل ما يوصف بالمتعجرف والقمعي!!
الاكثر غرابة ان ما طرحه الدكتور جعجع، ليس اجتهادا قانونيا، ولا هو بدعة في علم الديمقراطيات الحديثة والقديمة. اقترح ما هو بدهي في اللعبة الديمقراطية، وهو احترام هذه الديمقراطية المتاحة ولو لمرة على الاقل في مجلس الوزراء، خصوصا ان الوزراء الذين رفضوا التصويت على احالة ملف شهود الزور الى المجلس العدلي، شكلوا الاكثرية، بعدما انضم الى وزراء 14 اذار، وزراء رئيس الجمهورية ووزراء النائب وليد جنبلاط، ما يعني ان 20 وزيرا من أصل 30 رفضوا التصويت على الملف، وعدم التصويت في هذه الحالة، يعني تصويتا بالاجماع على عدم احالة ملف شهود الى المجلس العدلي. فأين هي السابقة التي يتحدث عنها المعارضون المعورضون في عرض البلاد وطولها؟ ولماذا الاصرار على لعبة المقاطعة، واسقاط هموم الناس من الملفات الحياتية الملحّة، كالحروف المتهاوية فوق سطور الحياة؟ ام لعل التهويل دائما بتعليق هذه الهموم على عهر الانتظار والمقايضة، صار السلاح الاقوى في أيدي من اعتادوا حمل السلاح، ومن يحميهم داخل مجلس الوزراء والمجلس النيابي؟؟
الواضح ان أي طرح منطقي في مجلس الوزراء يصبح هرطقة. واي اقتراب من تنفيذ اللعبة الديمقراطية، هو كمن يحرق جسده وكل ملفاته في النار. ومن يعترض على المعارضة هو فاجر سياسي، ومن يقترح الافكار القريبة من عقول الناس ويومياتهم هو ملحد…
غريب ما يجري في مجلس الوزراء. غريب هذا الانسياق الى هاوية الافكار الاحادية. غريب هذا الانسلاخ المتعمّد عن "العاديين"، الناس ما غيرهم.
ربما في أعماقنا نتفهّم الهجومات الاستباقية المتلاحقة، ليس على الاكثرية، انما بطريقة غير مباشرة علينا، لاننا صرنا نفهم بأن الخائف، يصبح أحيانا كنمر شرس يدور في قفص، يزأر ويخرج كل مخالبه، ليبعد عن قدره سجن البشر…
وان كانوا ليسوا بنمور، ولكنهم يخرجون مخالبهم التي تجرح الناس، وان كانت لا تدميهم!