فتح السفارة السورية مرتبط بموقف دمشق من الحكومة الجديدة
العراقيل أمام التأليف مؤشر إلى مرحلة صعبة بعد الدوحة
هل من ثمن تسعى اليه القوى الاقليمية المؤثرة في لبنان من اجل تسهيل تأليف الحكومة وفق الطريقة التقليدية المعروفة في أن اي خطوة في اتجاه الضغط على الحلفاء من اجل خفض سقف شروطهم تتطلب اثماناً معينة مطلوبة من طرف خارجي ما؟
السؤال بات يطرح في ضوء عاملين، علماً ان تأليف الحكومات غالباً ما يستغرق اسابيع لكن انطلاقة العهد الجديد تحتاج الى دفع قوي ودعم رئيس الجمهورية من خلال التنازل عن بعض المصالح الضيقة بما يقوي موقع الرئاسة الاولى في الدرجة الاولى وينعكس على لبنان وعلى موقع المسيحيين تالياً من خلال تقديم الدعم له واعطائه حقيبتين سياديتين وعدم وضع عراقيل امامه.
والعاملان هما: الاول ما ذكره الرئيس السوري بشار الاسد في حديث صحافي خلال زيارته الكويت قبل ايام عن "شروط" لاقامة علاقات ديبلوماسية بين بلاده ولبنان. اذ قال "ان سوريا ستنظر في فتح سفارة في لبنان للمرة الاولى بمجرد ان يشكل لبنان حكومة قادرة على تعزيز العلاقات الجيدة مع دمشق"، مما يعني ان سوريا تربط اقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان بجملة امور قد لا تتوافر في رأيها، علماً ان العاصمة السورية، وفق مصادر سورية رسمية، كانت اوحت حماسة كبيرة للتبادل الديبلوماسي مما دفع المجتمع الدولي الى ابداء حماسة مقابلة للموضوع والتشجيع على هذه الخطوة. وتالياً اذا لم ترق الحكومة القيادة السورية في شكل ما فانها لن تفتح سفارة في لبنان، وفي ذلك ما فيه من ضغوط على المهتمين بلبنان كي يضغطوا بدورهم على الافرقاء المعنيين لاعطاء حلفاء سوريا ما يريدون من حصص فترتاح سوريا وتقيم علاقات ديبلوماسية مع لبنان.
والعامل الآخر يتمثل في التعقيدات التي يواجهها تأليف الحكومة بعدما وضع رئيس الحكومة المكلف فؤاد السنيورة، بحسب بعض المعلومات، الكرة في خانة القوى المعارضة من حيث ابلاغها: ان هذه هي الحصة المتفق عليها للمعارضة وهذه هي الحقائب وفق ما ستؤول اليه بمبدأ التوازن الطوائفي والسياسي، وتالياً على المعارضة ان تتفق في ما بينها على تقديم الصيغة المناسبة من ضمن حصتها. لكنه لم يتلق رداً على هذا الاقتراح واستمرت العراقيل هي نفسها ربما في انتظار تدخل ما يعطي اصحاب النفوذ الاقليميين اثماناً لمساعدتهم وتعاونهم في تسهيل تأليف الحكومة، فيضطر عند ذلك الافرقاء المحليون خصوصا من المعارضة الى التجاوب. اذ ليس وارداً في حساب الاكثرية التخلي عن مقاعد تعود اليها وخصوصا وزارة المال، ولا هي في وارد عدم توزير الوزير الياس المر.
ويحاول بعض الشخصيات المعارضة ان يرمي كرة التعطيل في خانة الاكثرية على ما تفيد بعض التصريحات ايضا، ولكن ليس بدافع وجود عقد وزارية داخل فريق 14 آذار بل لان كل ما ارادته الاكثرية من اتفاق الدوحة، كما يقول هؤلاء، هو حصول انتخابات رئاسية وبقاء الحكومة برئاسة السنيورة تصرف الاعمال بالحد الادنى، ولكن بغطاء سياسي رسمي وشرعي من الجميع، وبمشاركة الوزراء الذين استقالوا في وقت سابق وخصوصا ان المسالة لا تتعلق بالافرقاء المحليين وحدهم بل ايضا بافرقاء اقليميين لم يرقهم على الاطلاق ما حصل في بيروت ولا اتفاق الدوحة بكل ما يعنيه.
وحرص بعض هذه الشخصيات على الترويج لهذا المنطق منذ الساعات الاولى التي اعقبت عودة الافرقاء اللبنانيين الى بيروت بعد اعلان اتفاق الدوحة. لكن مصادر في الاكثرية ترد على هذا المنطق بتأكيد ان على المعارضة في هذه الحال احراج الاكثرية بعدم طرح مطالب تعجيزية تتعلق بالحصص والحقائب على نحو يتجاوز حدود التوازنات التي اتفق عليها من اجل ان تخرج الحكومة الى النور سريعا وتضع حدا لحكومة تصريف الاعمال. وفي راي هذه المصادر ان تدارك باريس "خطأ" التسرع في التطبيع مع سوريا قبل استكمال تنفيذ اتفاق الدوحة اقله بنده الثاني المتعلق بتأليف حكومة وحدة وطنية، يعني ادراكها الصعوبات او العراقيل التي يمكن ان توضع امام تأليف الحكومة لقاء اثمان جديدة غالبا ما يفيد منها الخارج وليس اللبنانيون. فضلاً عن ان ثمة اقتناعاً بان القبول السوري برئاسة السنيورة للحكومة لا يعني ابدا، في ضوء التجربة الماضية، تسهيل مهمته، بل على النقيض، اذ يحتمل ان تسعى دمشق الى اخراجه من السرايا وحمله على الاعتذار عن تأليف الحكومة من اجل افساح المجال امام غيره لترؤس الحكومة. ويخشى كثيرون ان يكون ما يحصل من توتير امني مفتعل ومن عرقلة سياسية لتأليف الحكومة هو لمنع الاكثرية من تسمية رئيس الحكومة الذي اختارته وتالياً منعها من الحكم في ما تبقى من ولاية مجلس النواب الحالي.
وفي اي حال تؤشر العراقيل التي توضع امام الحكومة، بكل بساطة بالنسبة الى جميع المراقبين، الى مرحلة صعبة سيشهدها لبنان خلال الاشهر المقبلة. فمن جهة هناك مخاوف من ان اي خطوة او اجراء يتخذ سيمر بمخاض عسير لان ثمة من يبقى يطلب اثماناً حين يرى ذلك مناسبا، ثم ان الافرقاء يخوضون منذ الآن انتخاباتهم النيابية للفوز بالغالبية في مجلس النواب المقبل على وقع تسعير الخلافات الداخلية وافتعالها.