قضية الحريري بند أساسي على جدول المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية
والعدو الصهيوني يدخل مسانداً الرئيس السوري
الأسد يعرض صفقة: جنرالات لبنان وضابط سوري.. وبراءتي
الرئيس السوري بشّار الأسد كما وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، لا يُشاطران بعض اللبنانيين الاعتقاد بأن "غزوة بيروت" التي اقترفها "حزب الله"، كما "تفاهم الدوحة"، كما المفاوضات الإسرائيلية ـ السورية، قد قضت على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
الأسد وباراك معاً، يعتقدان أن المحكمة لا تزال قائمة وبقوة، والعمل على تأسيسها مادياً ومعنوياً سار بشكل فعّال. ففيما استمهل المحقق الدولي دانيال بلمار مجلس الأمن ستة أشهر، كحد أقصى، ليُنهي تحقيقاته في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يعمل المسؤولون عن تأسيس المحكمة على استكمالها لوجستياً وبشرياً، بعد توفير الحد الأدنى من التمويل اللازم.
كيف ظهر ذلك؟
كان واضحاً في كل من الإمارات العربية والكويت، قبل أيام أن الرئيس السوري "يستجدي" صفقة عربية ـ دولية لتطويق نتائج التحقيق من جهة أولى، ولإبعاد كأس المحاكمة عن شخصيات لها ارتباط وثيق بنظامه، من جهة ثانية.
ووفق المطلعين على ما يعمل الأسد من أجله، فإن الرئيس السوري لا يترك وسيلة إلا ويُبلغ فيها "من يعنيهم الأمر" أنه يوافق على مقايضة قوامها الآتي: تبقى المحكمة قائمة ويبقى التحقيق جارياً، ولكن شرط أن تقتصر النتائج على ملاحقة قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية، أثناء ارتكاب الجريمة وأحد الضباط السوريين، ملمّحاً ـ بطريقة أو بأخرى ـ الى أنه لا يمانع في أن يكون رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية اللواء آصف شوكت (المُبعد حالياً عن مسؤولياته).
وفي ذهن الأسد أنّ هذه المقايضة، يُمكن أن تؤتي ثمارها للاعتبارات الآتية:
أولاً، سبق له وفهم رسائل "تسووية" وصلت إليه في الماضي على أنها تحثه على "صفقة" مماثلة، وكان يرفضها رفضاً قاطعاً، لأنه كان يستشعر قوة تُعينه على حذف المسار السوري كلياً من التحقيق الدولي.
ثانياً، نجح، من خلال استراتيجية "كسب الوقت"، في تحييد من يصلحون كـ"كبش محرقة" عن موقع التأثير على النظام السوري، بحيث بات غيابهم "أريح" له من "بقائهم".
ثالثاً، أعدّ للضابط أو غيره ممن وافق على "التضحية" به أو بهم، ملفات تُعينه هو شخصياً على "إظهار براءته"، من خلال الادعاء أنهم كانوا يقومون بكثير من العمليات القذرة، ليس من دون علمه فحسب بل بطريقة تُخالف توجهاته وتُلحق ضرراً به. ولهذا السبب ثمة من يعتقد أن نتائج التحقيق في قضية اغتيال عماد مغنية ستُستأخر حتى تظهر الاتجاهات النهائية في قضية اغتيال الحريري.
وعلى أساس هذه المعلومات، يُفسّر المطلعون موقف الأسد الذي أطلقه أمام الصحافة الكويتية قبل يومين، وجاء فيه الآتي:
"هناك مفهوم خاطئ بالنسبة الى مهمة أجهزة الأمن السورية سابقاً في لبنان فهي لم تكن مكلفة حماية الشخصيات اللبنانية، وليست مسؤولة عن الأمن اللبناني، كانت مسؤولة عن أمن القوات السورية في لبنان، لقد كانت هناك أربعة أجهزة لبنانية هي المسؤولة عن أمن لبنان وليس الأجهزة السورية، أما إذا كان هناك، كما طرح في السابق، ضابط سوري متورط أو غيره، فهذا يأتي ضمن نطاق التحقيق الشامل".
ووفق المراقبين لأدبيات الأسد بما يخص مسار التحقيق في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فهذه المرة الأولى التي يتحدث فيها عن مسؤولية "الأجهزة الأربعة في لبنان" من جهة أولى من دون أن يُناقش صوابية تورط "ضابط سوري أو غيره" في الجريمة، من جهة ثانية.
ويعتقد هؤلاء أن "ليونة" الرئيس السوري الطارئة ناجمة عن عوامل عدة، أهمّها الآتي:
أولاً، هو يُدرك أن التحقيق قد شارف على نهايته وبالتالي فهو يريد استعجال استدعاء التدخل "للتخفيف" من نتائجه، وهو الأدرى بها من غيره.
ثانياً، هو بات على اقتناع بأن المجتمع الدولي يستحيل أن يتراجع عن محاكمة المتورطين في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ثالثاً، هو واثق بأن الانفتاح العربي والدولي الذي ينشده، سيتأثر سلباً وبشكل قاطع، في حال صدر تقرير دولي نهائي يتحدث عن وجود أدلة على تورط النظام السوري في قضية اغتيال الحريري، وتالياً سيجد نفسه مضطراً للتعاون مع المحكمة الدولية، لأن إسرائيل لن تستطيع حماية نظامه بالتفاوض في ظل مجتمع دولي ضاغط عليه لتسليم المتهمين، جميع المتهمين.
وعلى هذا الأساس، يبدو واضحاً أن الأسد أدخل العدو الصهيوني على خط مساعدته، طارحاً أمامه المعادلة الآتية: أستأخر الجولان وأُقدم بقاء نظامي المرتبط بالمحكمة الدولية.
وليس في الأفق ما يُظهر أن إسرائيل لا تتناغم مع الأسد، فمتابعة حيثيات المداخلة التي قدمها إيهود باراك أمام الكنيست الإسرائيلي قبل ثلاثة أيام، تُظهر موافقة تل أبيب على مطلب الأسد، ولذلك تشارك باراك مع الأسد في وجوب دخول الولايات المتحدة الأميركية على خط المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية لأن تركيا لا تستطيع أن تقدم ما هو مطلوب لاستكمال التسوية بين "العدوين الحميمين"، خصوصاً وأن ما يطرحه الأسد، وفق نبرة باراك، ملائم لإسرائيل، فهو يريد بقاء نظامه وإبعاد المحكمة الدولية عنه وبسط نفوذه على لبنان والحصول على مساعدات دولية… أما الجولان فآخر هم لديه.
هل ينجح الأسد في استدعاء الصفقة لتكون الحقيقة في واقع الحال مجرد نصف حقيقة، ولتكون العدالة مجرد ظلم لأنها لا تُعفي القاتل لاحقاً من تكرار فعلته ولا تحمي لبنان من مواصلة اغتيال سيادته واستقلاله وقراره الحر؟
لا جواب متوافر حالياً، ولكن الأكيد أن الأسد لا يتهم إسرائيل وإسرائيل لا تبرئه، ولكن بعض "الصبية" في لبنان لا يزالون يتلهون بالحديث عن "تحقيق دولي مخدوع" وعن "شهود مفبركين"، في حين أنهم يحمون الآمر الناهي الذي يعرض رؤوسهم… للبيع.