#adsense

ساركوزي والانفتاح على سورية

حجم الخط

ساركوزي والانفتاح على سورية
توفيق المديني

حين كانت الأزمة اللبنانية مفتوحة على كل الاحتمالات في نهاية خريف العام الماضي، أراد الرئيس ساركوزي تحقيق إنجاز كبير يتمثل في تأمين انتخاب رئيس توافقي للبنان في أسرع وقت ممكن، بما يتيح له القيام شخصيا بزيارة خاطفة إلى بيروت لحضور حفل القسم الدستوري للرئيس المنتخب في مجلس النواب. وحين أخفقت جهود وزير خارجيته برنار كوشنير، قرر ساركوزي اعتماد خيار الاتصال المباشر بالقيادة السورية، فأوفد إلى دمشق في نوفمبر الماضي مستشاره الدبلوماسي جان دافيد ليفيت والأمين العام للرئاسة كلود غيان، كما أن ساركوزي اتصل هاتفيا ثلاث مرات بالرئيس السوري بشار الأسد، ثم أوفد إليه مجددا غيان.

وعندما باءت المبادرة الفرنسية- التي استمرت أسابيع عدة– بالفشل، أعلن ساركوزي من القاهرة في السابع والعشرين من شهر ديسمبر 2007 وقف الاتصالات السياسية مع القيادة السورية، مشترطا لاستئناف الاتصالات السياسية معها تعاونا سورياً في تحقيق تسوية للأزمة اللبنانية.

أما الآن، وبعدما انتخب العماد ميشال سليمان رئيسا للبنان كثمرة للتسوية التاريخية المتمخّضة عن اتفاق الدوحة، في شهر مايو الماضي، عاود الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الاتصال الهاتفي بنظيره السوري بشار الأسد، وكسر بذلك الجليد بين الطرفين، وانتقل من الإشادة بالدور السوري في اتفاق الدوحة، إلى الحديث عن تزخيم العلاقات السياسية والاقتصادية، وإعادة قنوات التشاور السياسي.

ويتساءل المحللون العرب عن الأسباب التي قادت الرئيس ساركوزي للاهتمام مجددا بسورية، ولاسيما بعد القطيعة الماضية؟

أولا: تقول المصادر الفرنسية إن الرئيس الفرنسي يعبّر بقوة عن رغبة بتطبيع العلاقات السياسية مع دمشق تفرضها طبيعة الرئيس الفرنسي الديناميكية، وإلحاحه الدائم بالحصول على نتائج سريعة لمبادراته السياسية. ومنها أيضا رفع ارتهان العلاقات السورية بما يجري في لبنان، وهي علاقات تتميز بأهمية استراتيجية في نظر باريس تأخرت أعواما في تحديدها بعيدا عن الملف اللبناني. كما أن الرئيس ساركوزي الذي يعمل لإنجاح مشروع ولايته الكبير الذي يتمثل في تحقيق الاتحاد من أجل المتوسط، لا يستطيع أن يتجاوز دمشق بوصفها عقدة مهمة من عقده، والذي يساوي في أهميته التاريخية، بنظر ساركوزي، كما قال أكثر من مرة، نشوء الاتحاد الأوروبي. ويشير البيان بوضوح إلى حضور رئاسي سوري في قمة باريس المتوسطية في يوليو (تموز) المقبل.

ثانيا: إن فرنسا تقدر الدور الذي أدته سورية في تمرير اتفاق الدوحة. فالرئيس ساركوزي يعتبر إنجاز اتفاق الدوحة، الذي أفسح في المجال لانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للبنان، بمنزلة التحوّل التاريخي والجذري في سياسة سوريو حيال لبنان، والذي يتضمن اعترافا فعليا ورسميا بسيادة هذا البلد، واستقلاله، واستعداد سورية لإقامة علاقات دبلوماسية معه، وترسيم الحدود بين البلدين.

ثالثا: إن الرئيس الفرنسي، الذي يعبّر بقوة عن رغبته بتطبيع العلاقات مع دمشق، يريد في الوقت عينه أن يحرر العلاقات الفرنسية- السورية من اشتراطات تسوية الملف اللبناني. ففي السابق كان الرئيس ساركوزي يقول إن الانفتاح الفرنسي المشروط على سورية ليس هدفه إنقاذ سورية من عزلتها، بل إن الهدف الأساسي من هذا الانفتاح هو إنقاذ لبنان ومنع انزلاق هذا البلد نحو الفوضى والاقتتال الداخلي. وفي هذا الإطار، يمكن استيعاب الاستعجال الفرنسي للتطبيع مع دمشق ملبيا حاجة داخلية فرنسية أكثر من أي تفسير بانعطاف فرنسي مفاجئ كان يمكن أن ينتظر تطبيق اتفاق الدوحة، لأن ساركوزي يطالب دمشق اليوم بالمساعدة على تنفيذه بعدما طالب بالتوصل إليه، ويعبر عن ضرورة تحصين هذا الاتفاق.

وتشعر القيادة السورية على المستوى الرسمي، أن سورية تستحق معاملة أفضل، وهذا ما أكده وزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ الذي يزور دمشق هذه الأيام، حين قال: «إذا أردنا التحدث عن المستقبل، فإن التفاؤل يسود الأجواء الدولية والإقليمية.. ونحن في باريس ندعم مشروع الاتحاد من أجل المتوسط. ومن المؤكد أن الأمر الجيد جدا هو أن تلعب سورية في هذا المشروع دورا جيدا ومحوريا، و أعتقد أن الرئيس ساركوزي دعا الرئيس بشار الأسد لزيارة باريس في 13 يوليو المقبل، وستكون زيارة ناجحة جدا إن تمت، وتفتح آفاق التعاون السوري- الفرنسي، والسوري- الأوروبي على مصاريعها».

ويأتي الانفتاح الفرنسي هذا ليعطي الجهود السورية لفكّ العزلة الغربية دفعا قويا، ولاسيما بعد فترة من توقف الاتصالات بين باريس ودمشق بتوجيهات من ساركوزي نفسه، الذي كان يأخذ على سورية دورها السلبي في حل الأزمة اللبنانية.

كما أنه يأتي في إطار انفتاح أوروبي على دمشق التي ما تزال الولايات المتحدة الأميركية تطالبها بوقف دعمها «لحزب الله» في لبنان، وحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين، و التخلي عن ارتباطها الاستراتيجي مع إيران.

المصدر:
أوان الكويتية

خبر عاجل