#adsense

قصة قديس: القديس شربل (الحلقة الأولى)

حجم الخط

قصة قديس: القديس شربل
إقتباس ربيع يعقوب (الحلقة الأولى)

ولد القديس شربل في قرية بقاعكفرا جارة أرز الربّ،وهي أعلى قرية في لبنان، وتبعد مئة وأربعين كيلومتراً عن بيروت شمالاً. مزاج أهل هذه القرية قد يكون على شيء من الغلظة والخشونة لكنهم مضيافون، قلوبهم طيبة ومعشرهم لطيف. وهم ككل الموارنة يعتزّون بإيمانهم المسيحي ويفدونه بدمائهم، ويمارسون فروض دينهم بلا استحياء.

عبادة العذراء عندهم أهم من كل مجد بعد مجد الله. ويمكن لزائر بقاعكفرا أن يشاهد كثرة المقامات التي رفعوها للعذراء مريم، كما بإمكانه أن يلاحظ إيمانهم بمار سابا شفيع إحدى كنائسهم الذي له منزلة رفيعة في قلوبهم بعد الله والعذراء.

القديس شربل هو الإبن الخامس لأنطون مخلوف وزوجته بريجيتا الشدياق، بعد حنا وبشارة ومكّون ووردة. ولد في ٨ أيار من العام ١٨٢٨، ودُعي يوسف عند عماده في سيدة بقاعكفرا. والمفارقة أنه في عام مولده وضع الحجر الأساس في دير مار مارون عنايا الذي سيدخله يوسف لاحقاً ليصبح الأب شربل مخلوف.

لم يكن أبوه يملك إلا قليلاً من الأرض، لكن ثروته الحقيقية كانت الإيمان المطلق بالله والتسليم بمشيئته. والدة القديس كانت رهبانية التقوى، تصلي جاثية على ركبتيها باسطة الذراعين كما الكاهن على المذبح. الصلاة العائلية عندها واجب مقدس، ومنها تعلم اولادها حبّ الصلاة. لقد كانت تصوم على الدوام ونذرت الإمتناع عن اللحم غير أن مرشدها أعفاها من النذر الصارم شرط أن تتلو المسبحة يومياً.

وردة أخت القديس، كانت هائمة بالرب ولم تكن تتخلى عن مسبحتها الوردية، وكانت تردد في صلاتها بعد أن خُطبت: "يا رب كنّو جوازي مش رح يرضيك، خليني موت قبل ما إتجوّز". وبالفعل ماتت قبل أن تتزوج.

حنا أخ القديس كان مؤمناً ورعاً. وكذلك تجلى الإيمان في عم للقديس رسم شماساً إنجيلياً واعتذرعن قبول الترقية الى درجة الكهنوت قائلاً: "الكهنوت شرف كبير ما بستحقو". وأيضاً كان للقديس خالان راهبان مستحبسان في صومعة مار أنطونيوس قزحيا، هما الأبوان أغوسطينوس ودانيال الشدياق.

إذاً إنها عائلة مسيحية مثالية ولد فيها القديس، كانت تعيش بسلام وفرح وتسأل الله خبزها كفاف يومها. ولكن هل يستمر الفرح؟
في العام الثالث ليوسف جاء العسكر التركي الى بيت أهله وبيد أحدهم رقيّم يقضي بتسخير والده أنطون مخلوف مع حماره لنقل "الموني والذخيره" للجيش من مجدليا ليبت الدين. مفاجأة صاعقة لأنطون الذي أراد الإعتراض: "بس يا حضرة الضابط نحنا ناس فقرا، لمين بدي إترك عيلتي والطفالى المعتّرين مالهنّ غيري؟". فأجابه الضابط: "هيدي مش شغلتنا، هيدا أمر. بكرا من طلوع الضوّ وإلاّ …". فلم يعد في يد أنطون مخلوف حيلة، فسافر عند الفجر والأسى يحتل نفسه… . وفيما كان أنطون بعد انتهاء مهمته عائداً الى بيته، مرض مرضاً شديداً بعيد وصوله الى قرية قرب عمشيت فمات ودُفن فيها دون أن يعلم اهل بيته بالأمر.

شهور مضت وبريجيتا قلقة. وحين تحققت الأمر,عرفت انها أصبحت أرملة فسلمت امرها الى الله ، والى طانيوس أخ أنطون آلت وصاية يوسف . جاهدت بريجيتا في إعالة أولادها وتربيتهم تربية مسيحية فضلى. وبعد سنتين، وخوفاً من وقوع أولادها بين أشداق الحاجة، تزوجت ثانية من لحود ابراهيم من بقاعكفرا وكان ذلك في تشرين الأول ١٨٣٣.

كان لحود هذا معروف بتقواه وكان يحلم بالكهنوت، فعرض مشروعه على زوجته التي شجعته على ذلك. فلم يطل الأمر بلحود ابراهيم حتى رُسِم كاهناً متخذاً اسم ضومط. في هذه البيئة الإيمانية ترعرع يوسف فتأصل في نسكية محيطه القائمة على محبة التضحية وصلابة المعتقد والدأب على العمل والصلاة.

في السابعة من عمره تقريباً وفي مساء أحد الأعياد وخلال الزياح، دفعت الحماسة الدينية بيوسف الى المبالغة في أرجحة المبخرة حتى راح شررها المتطاير يعلق بالأيقونة وبلحية الكاهن وكان يفكر في نفسه: "هالبخور كرمال العضرا سلطانة السما والأرض". بعد الزياح ردّ يوسف حصة البخور الى مكانها لكنه نشل منها حفنة ودسها خلسة في جيب سرواله!؟؟؟

القديس التلميذ والراعي

كان يوسف يتوجه كل صباح الى مدرسة القرية الملتصقة بالكنيسة والتابعة لها. في الشتاء كانت المدرسة عبارة عن غرفة مستطيلة تدعى "المد"، وعندما يعود الطقس دافئاً كان ظلّ السنديانة التي تفرد اغصانها في باحة الكنيسة هو مجالها الأرحب. كاهن الرعية نفسه كان المعلم في معظم الأوقات. وفي هذه المدرسة تعلم يوسف ترتيل المزامير والقراءة والكتابة والصلوات، وكانت اللغة الآرامية اللغة التي تكلم بها السيد المسيح، ولغة الطقوس المارونية تحتل المقام الأرفع في التعليم. وكان على يوسف كما على الموارنة جميعاً وقتها أن يرتل الفرض على "القرّاية" منذ سنته العاشرة. الشهادة الوحيدة التي كان يحلم الطالب بنيلها هي شهادة الخوري بأنه أصبح يجيد قراءة اللغة الآرامية وتأدية الخدمات الدينية في الكنيسة.

إضافة للمدرسة كان يوسف يتمرس على أعمال الحقل كما كان عليه أن يرعى بقراته وأغنامه في ذلك المدى الفسيح البعيد عن مسالك الناس. هناك حيث راح يوسف يقود قطيعه الصغير.كان يشعر في غمرة السكون بالحضور الإلهي. هناك كان يحسّ بحرية أكبر وارتياح أعمق وكان يشعر بخشوع الطبيعة أمام عظمة الله التي كانت تدفعه الى السجود ساعات طويلة بغبطة وفرح، إلا أن يوسف وقد أصبح في الرابعة عشر، لم يكن يريد أن يتعرض أكثر لتهكمات رفاقه الذين بدأوا يدعونه القديس وإن مزاحاً. ففكر في اللجوء الى مغارة مجاورة تحجبه عن أنظار الفضوليين وتمكنه من الصلاة بالخشوع الواجب. فدأب يوسف على الصلاة في المغارة. في أحد الأيام وعوض عن التلهي مع رفاقه بأكل عرانيس الذرة المشوية واللعب أخذ يوسف يبتعد عنهم نحو مغارته بعد أن زوّد بقرته بالتوصيات اللازمة: "هلّق يا غزالي بدك تقعدي عاقلي، أنا رايح صلّي…". نسيبة يوسف مريم سألت رفاقه عنه: "دخلكن يوسف وينو؟ حدا شافو؟". فأجابها أحدهم: " مش عارفي حضرتك إنو ما حدا بيعرف وينو؟ يمكن راح عمغارتو يقدس ويصلي، بكرا بياخدك معو عالسما…". عاد يوسف متهلل القسمات فأحاط به الرفاق وأعطوه عرنوساً مشوياً ثم انصرف كلٌّ الى ألعابه وظلّ يوسف وحده. عندئذٍ تناول يوسف حبة من النار وطار الى المغارة. هناك أخرج من جيبه حفنة البخور التي نشلها من الكنيسة وأحرقها أمام صورة للعذراء مردداً: "دخيلك يا عدرا يا قديسة مريم إمي البسما عندي فكرا حلوي بس بالأول بدي شاور خوالي بمحبسة قزحيا…".

قلبه للرب

كان خالا يوسف أغوسطينوس ودانيال الشدياق راهبين في دير مار أنطونيوس قزحيا. وبعد أن أظهرا دلائل على حياة تقشفية خارقة، سُمح لهما بالإعتزال في محبسة الدير حيث راحا يقضيان العمر في التفرغ من أهواء الدنيا والجسد وفي التأمل بكمالات الله. كان يوسف يزور تكراراً خالاه معجباً بحياتهما المنفردة متمرساً على أيديهما بأعمال التقشف والصلوات وأعمال البرِّ. واطّلع منهما مطولاً على تاريخ الرهبانية العظيم وأصغى إليهما بصفاء بالٍ: " من أراد أن يجد الله ويحيا في صداقته الحميمة وجب عليه أن يبتعد عن ترّهات العالم وأن يخشع في نفسه. الراهب هو الزاهد في الدنيا، الكافر بنفسه، الحامل صليبه، تابعاً يسوع المسيح في طريق الذبيحة والمحبة…".

كان كلما زار خالاه ازدادت رغبته في الإقتداء بهما وإتباع نهج حياتهما.لقد أصبح الآن يدرك غاية حياته: أن يكون مع قربان المسيح قرباناً. لم يعد في الدنيا شيء يستهويه. شيء واحد يستحق الإهتمام: أن يصبح قديساً.

في الخامس عشر من آب 1848 بقاعكفرا تحتفل بعيد انتقال العذراء ويوسف يشرف على ربيعه العشرين. في العيد تزدهر الأفراح الشعبية وتحلو إقامة الأعراس في القرية. الشبان والصبايا يرتدون أفخر الملابس وينتظمون أمام دار العروسين مشاركين في الدبكة. القرية تحضر لتهنئة العروسين ويوسف كذلك برفقة أمه بريجيتا.

تقول له أم العروس: "وأنت أيمتى دورك يا يوسف؟". فيجيبها: " آه أنا!؟". فتغمز يوسف وهي تلتفت الى مريم قائلة: " أنا بعرف بنت…". فينسحب يوسف مطرقاً، فتلحق به أمه وتقول: " لوين يا يوسف؟ بعدو العرس بأولو. هلق بيجرسونا". فيجيبها بلطف: " دخلك يا إمي! ما عاد معي وقت. أنا رايح عالقادومية…". فيذهب عبر التلال متهلل الوجه كأنه نجا من غرقٍ في بحر هائج.

في المساء أتت مريم تعين بريجيتا في العجن والخبز، فسألتها الأخيرة وهي تعلم أن مريم تكنّ ليوسف عاطفة أبلغ من عاطفة الصداقة: " شو يا مريم؟ شايفتك مهمومة وملبكة!؟". فتجيبها مريم: "بيضل دايماً هربان. شارد ودايماً غايب. كنو مش إبن عمي". فتقول بريجيتا: "إنت عارفي يا بنتي كيفو عايش.أعز شي عقلبو الكنيسة والحقلة.نحنا بحاجة لزنودو. ولولا منو شو منعمل؟". فتقول مريم: " صحيح قديشو قوي وعندو جلد عالشغل وقديشو شب حلو". فتقول بريجيتا: " شو؟ شو؟ عينيك عم يلمعو. في شي سرّ يا بنتي؟ خبريني". فطأطأت مريم رأسها خجلاً فيما كانت بريجيتا تنظر إليها مبتسمة.

الرب يناديه

في يوم من الأيام وبينما كان يوسف يرعى عنزاته بعيداً جداً باتجاه الأرز، شردت واحدة منها فأخذ يبحث عنها قلقاً متسائلاً: " يا ربي بحياتك كيف راحت هالعنزة؟". أخذ يوسف يمشط الروابي والأودية بحثاً عنها الى أن بلغ السور المحيط بغابة أرز الرب فقفز الى الداخل حيث أدهشته عظمة هذه الأشجار الدهرية، ثم تلفّت فوجد مزاراً صغيراً محفور في جذع شجرة، فجثا على ركبتيه يصلي. فجأة ظن أنه سمع صوتاً يناديه, أقوى من أي يوم مضى, وأكثر إلحاحاً من أي وقت: " أترك كل شيء وتعال فاتبعني…".

لقد دنت ساعة الإجابة العظمى. لقد كان على الفتى أن يختار إما أن يلبي نداء الأرض فيتزوج ويعش إنساناً وإن بإيمان رهباني غير عادي، وإما أن يلبي نداء الله فيمشي في طريق توصله الى حيث رغبته الدفينة كما كان يقول دائماً: "دخلك يا ربي خليني حصتك وخليك حصتي طول عمري. إنت وحدك محبتي وسعادة قلبي".

لم يتأخر الفتى في الإختيار: أراد هجر العالم والرحيل باتجاه دنيا جديدة، سواد الليل فيها أكثر نوراً من منتصف النهار.
في فجر ذات يوم من عام 1850 انسلّ شبحاً مستتراً من بقاعكفرا مسافراً باتجاه مغيب الشمس. هذا الشبح لم يكن سوى يوسف مخلوف المصغي الى صوت الله.

لم يشعر أحد بعزمه على الترهب في تلك الفترة، حتى والدته التي أحبها كثيراً والتي لم تكن لتعترض على مشيئة الله.

ان حب بريجيتا لولدها الأصغر ورغبتها برؤيته على الدوام جعلاها غير واثقة من حقيقة دعوته الرهبانية. إضافة لذلك فإن عمه ووصيّه لم يكن يريد لإبن أخيه الترهب طمعاً بعمل ساعديه القويتين. لهذه الأسباب اضطر يوسف الى أخذ قراره والخروج من القرية دون وداع، دون ضمة من أمه، دون قبلة من إخوته وأخواته، دون كلام. ذهب والأسى في قلبه. ثلاثة وعشرين ربيعاً مليئة بالسعادة والبساطة والذكريات الغالية تركها وراءه وقرر أن يبدأ عمراً جديداً، عمراً حقيقياً مع الله.

الطريق عبر جبال تنورين وأودية دوما طويل وشاق. ما همّ إنه يلبي دعوة الله… ولم يلفظ النهار أنفاسه الأخيرة إلا وكان قد أعياه التعب والجوع والعطش. في تلك اللحظة أتاه المجرب يقول: " لوين يا يوسف؟ عالدير؟ وإمك وإخوتك وخياتك. كلن بالضيعة بيحبوك وأكتر من الكل مريم. رجاع تجوز بعدك بعزعمرك. كلّك قوة وذكا ودرب الدني ورد، ليش رايح تدفن شبابك بالدير بكفن أسود؟ بالدني كمان بتقدر تخلص نفسك. غيّر فكرك ورجاع عالضيعة أحسن ما تندم. رجاع ,رجاع…".

لاحت أمام يوسف ابتسامة المسيح فتذكر حديث خالاه عن أفخاخ الشيطان وعن وسائط تجنبها. تسلّح يوسف بعلامة الصليب ومشى مغمور بدموع الغبطة. بسمة إلهية واحدة تعوضه حنان الدنيا وأهلها.

فجأة ينبسط أمامه وادي ميفوق الأخضر وتلوح بيوت شبيهة ببيوت بقاعكفرا ويطل دير سيدة ميفوق أحد أجمل أديرة الرهبانية المارونية اللبنانية، حيث سيقضي يوسف سنة إبتدائه الأولى بين عامي 1851- 1852.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل