#adsense

من يعوّض “سنة افتراضية” ؟

حجم الخط

لعلّ الوجه "الحضاري" المتمدن الوحيد للصراع الداخلي على ملف المحكمة الخاصة بلبنان، أمكن استشرافه بمبارزة قانونية ودستورية وسياسية بين "حزب الله" و"تيار المستقبل" عبر مجلس النواب. بين الكحل والعمى لا بأس بشذرات ولمعات من هذا الحوار المفتوح "المهذّب" على الاقل، في زمن الهبوط الكلامي المقذع الذي بات يشكل في ذاته وجه تحقير الوطن اللبناني الذي كان درة الاشعاع في حقبات غابرة.

نسوق ذلك لا على سبيل "تصيد" هذا النمط الايجابي في زمن قاحل مصحر فحسب، بل لان على جوانب هذه المحطة المعقولة في رفع مستوى النقاش و"تمدين" الصراع، ثمة ما لا يزال موغلا في التسطيح وافتعال معارك صغيرة وهامشية في ظاهرها وانما خطيرة في كشف عنصريات هي اخطر من العداء بين الطوائف والمذاهب في هذه التركيبة الداخلية المسحورة بمتعة هبوطها الى ادنى سلم العالم الثالث. ملهاة هي السخافة بعينها يكشفها طول الانتظار على وقع نشيد افتراضي اسمه المسار السوري – السعودي، فترانا يوميا امام سجالات صغيرة يملأ فيها العاطلون عن العمل فراغ الحضور والتأثير والابتكار.

لكأن ازمة المحكمة اتعبت الجميع وانهكتهم لفرط ما استعجل البعض حسم استحقاقاتها ومواعيدها استباقيا، فوقع لبنان في فخ الاستعجال الاستباقي لجلد ذاته مجانا لا اكثر ولا اقل. ويكاد اللبناني المتبصر المبتلي بهذه الانماط من المعارك والحروب الاستباقية الداخلية ولا حول له ولا طول سوى ان يتحمل موجات التفزيع والتخويف والتهويل ان ينفجر غيظا وغضبا ونقمة ان هو ادرك ان سنة كاملة اهدرت من عمره وسط هذا "النعيم" تحت عنوان "افتراضي" خالص. لكان مدعاة "للتعويض" ولو من الباب السلبي ان يلعن اللبنانيون سنة آفلة لانها كانت سنة المحكمة واستحقاق القرار الاتهامي فعلا. اما ان تشارف السنة على اسبوعها الاخير وسط كل ما يثبت انها كانت سنة "التمهيد" للواقعة الكبرى، فهو امر يصعب وصفه او تصنيف البلد الذي يشهد مثل هذه الظواهر الا اذا كان الامر يتصل بـ"ادمان" قاتل للازمات يصيب بلدا مثلما يصيب اي ادمان اي انسان ويجعله يتحكم بطبائعه.

حتى دانيال بلمار نفسه بدا فارغ الجيب في ما قاله اخيرا عن هذه الازمة. كل ما ساقه يعرفه اي لبناني سوي في قراءة سريعة لنظام المحكمة، وهو منطق قانوني صرف لا يحمل احدا على قلب الشفاه. ولكن الدلالة الوحيدة في كلام المدعي العام الدولي هي انه اضطر مرغما الى مماشاة البيئة اللبنانية التي استدرجته الى "الحكي" والافصاح والتوضيح وحتى التساجل مع منتقديه ورافضيه ومتهميه.

ولم "يحلّ التعب" على بلمار وحده، فهؤلاء هم سفراء الدول "العظمى" المولجون امر "حماية لبنان" من نفسه ومن صراعات دولهم في آن واحد، افتقروا بدورهم الى اي مفردات خلاقة جديدة علها تنعش الآمال المتيبسة والتعبة في انتظار "تسوية" افتراضية بتنا نظن انها ستسقط على المشهد المأزوم مع هدايا الميلاد الملتمعة بفرح الاطفال.

كل هذا التعب ونحن على مشارف "سنة أزمة" لا تزال مصنفة "افتراضية".
فمن يعوض علينا سنة فراغ اذا سلمنا ان اكثر من 35 عاما سبقتها كان فيها ما يعوض من قصف الأعمار؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل