اختلافات عديدة تميّز دولة عن اخرى، فبعضها قد تكون مساحته اقلّ من مساحة الآخر، وموارده الطبيعية مختلفة، ولغته ايضا، وكذلك لون بشرة سكانه، ومدى تقدّمه في العلوم والتكنولوجيا والقوة العسكرية، الى ما هنالك من اختلافات لا بد منها، تطبع كل دولة بطابعها الخاص، الاّ ان اعتماد دولة ما، نظاماً سياسياً معيّناً، هو الذي يجعلها تشبه هذه الدولة او تلك، فالدول التي تتبع نظاماً احادياً توتاليتارياً، تتشابه في سلوكها الداخلي وطريقة تصرّفها مع شعوبها، حيث يكون النظام قاسياً وديكتاتورياً في بعض جوانبه، وخصوصاً ما يتعلق منها بالحريات العامة، وبتداول السلطة، بحيث لا يسقط الحاكم الاّ بانعدام ذرّيته، او بانقلاب عسكري. اما الدول التي تتبع نظاماً ديموقراطياً، فان الصفة الغالبة على هذا النظام هي احترام الحريات العامة، والاعتراف بالآخر، وتداول السلطة في اوقاتها الدستورية، واعتبار الدولة المرجع الوحيد، وخصوصاً في المجالين الامني والعسكري، بحيث تنتفي ضرورة وجود السلاح في ايدي فئة من الفئات، او طائفة من الطوائف، والصراع الوحيد المسموح به شرعاً هو سلاح المحاججة والمنطق والاقناع، وليس اللجوء الى السلاح، او استخدام سلاح التهديد والتخويف والتخوين والتعطيل، كما يحدث احياناً في دول يفترض ان يكون نظامها برلمانياً ديموقراطياً كمثل النظام اللبناني.
خروقات عدّة شوّهت نظامنا الديموقراطي البرلماني الحرّ، كان بطلها احياناً السلاح، واحياناً اخرى سوء التطبيق، وفي معظم الحالات خروج البعض عن ألف باء الديموقراطية، عنيت به تجاوز النقاش الهادئ وعدم مقارعة الحجة بالحجة، او اللجوء الى النصوص التي تفصل في اي خلاف ينشب، بل اعتماد الاستقواء باللهجة العالية المهددة، او بالكثرة العددية المدججة بالسلاح، وما في هذه الحالة من ابتعاد عن الديموقراطية واستهتار بتطبيقها.
* * * *
المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس كتلة نواب حزب الله الحاج محمد رعد منذ مدّة، وابدى في خلاله وجهة نظر الحزب في قانونية وشرعية انشاء المحكمة الدولية من اجل لبنان، كان خطوة متقدمة في طريق العودة الى الاصول الديموقراطية في مقاربة القضايا الخلافية، بدل الاساليب الاخرى غير الديموقراطية، لانها تتضمن خلفية عنفية لا تصح في بلد يتبع النظام الديموقراطي، ويقوم دستوره على احترام صيغة العيش المشترك، وفتح النائب رعد في خطوته هذه، الباب للدخول الى النظام الديموقراطي السليم، وسمح للفريق الخصم الذي لا يقول رأيه، بأن يلجأ الى الوسيلة ذاتها للردّ عليه بالنصّ والحجّة والمنطق. وفي ضوء المعطيات والبراهين والحجج التي يقدمها كل فريق، يستطيع المواطن ان يحكم على صوابية كل رأي وصدقيته، وهذا الحكم الشعبي هو المعوّل عليه في النظام الديموقراطي، ولا شيء اخر. من هنا كان المؤتمر الصحافي المضاد الذي عقده امس النائبان في تكتل لبنان اولاً، سمير الجسر وهادي حبيش للردّ على ما جاء في مؤتمر رعد الصحافي المطعّم بدراسة للقانوني سليم جريصاتي، استكمالاً او تتويجاً او تأكيداً للمنحى الذي يجب ان يأخذه الصراع السياسي في لبنان، بين فريقين يملك كل واحد منهما استراتيجية، مختلفة تماماً عن استراتيجية الآخر، لان هذه الطريق هي السبيل الوحيد لحماية صيغة العيش المشترك في لبنان، بعيداً من تفكير البعض في صيغ بديلة تؤمَّن له عيشاً مستقراً آمناً حراً قائماً على مبادئ الديموقراطية السليمة، والاستقرار الكامل، واحترام الاخر، في رأيه وخصوصيته، وليس كما هو الواقع اليوم، حيث يفرض القوي، ويتنازل الضعيف، وقد نصل الى يوم، تسقط فيه الصيغة، ويسقط النظام، فتتسيّد طوائف ومذاهب، وتتهمّش اخرى الى درجة الانسحاق، وعندها تصدق مقولة النائب وليد جنبلاط، بأن عدداً من ابناء المذاهب، مثل الموارنة والدروز الذين كانوا في اساس قيام لبنان ووجوده، يصبحون اشبه بالهنود الحمر، شعب اميركا الاصليين، لا قيمة لهم، ولا وزن، ولا تأثير، وقد تكون نهايتهم، مرميّين في مناطق معزولة، او مشردين على ابواب السفارات طلباً لفيزا، قد يحصلون عليها، وقد لا يحصلون، واغلب الظن ان البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير، عندما تخوّف من حصول انقلاب في لبنان، كان ربما يخشى ضمناً من وصول موسى اضطهاد المسيحيين في عدد من الدول العربية والاسلامية الى ذقن المسيحيين في لبنان، وعندها تكون نهايتهم، ونهاية لبنان الديموقراطي الحر التعددي.
المطلوب اغناء الحياة الديموقراطية في لبنان وحمايتها اذا كنا حقاً حريصين على بقائه ملاذاً حراً لضحايا التعصّب والتكفير والانظمة الظالمة.